ليس أخطر على المجتمعات من اجتماع الثروة والسلطة حين تنعدم بينهما المسافة الأخلاقية؛ فحين يمدّ المال يده إلى السلطة، وتستجيب السلطة لإغراء المال، يكون الفساد غالباً هو الابن الثالث لهذا الزواج غير المقدّس. عندها لا تعود الدولة فضاءً عاماً تُصان فيه المصلحة المشتركة، بل تتحول، شيئاً فشيئاً، إلى سوقٍ مغلقة تتبادل فيها النخب المنافع، وتُعاد صياغة القوانين والقرارات وفق مقتضيات النفوذ والثروة، لا وفق مقتضيات العدالة والحق والصالح العام.
إن العلاقة بين السلطة والمال، حين تنفلت من الرقابة والمؤسسات، ليست مجرد خلل في الإدارة أو انحراف في السلوك السياسي؛ إنها، في جوهرها، اختلال في ميزان القيم. فالسلطة، حين تصبح أسيرة لرأس المال، تتنازل عن بعض أعز ما يفترض أن تحميه: الأمانة، والنزاهة، والعدالة، والضمير العام. وحين يدخل رجال الأعمال إلى المجال السياسي لا بوصفهم مواطنين أصحاب حق، وإنما بوصفهم أصحاب مصالح اقتصادية مباشرة، يصبح احتمال تضارب المصالح أكثر خطورة، لأن من يشارك في صناعة القرار قد يجد نفسه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، شريكاً في صناعة الامتياز الذي يعود عليه بالنفع. وهنا تبدأ الدولة في فقدان معناها الأخلاقي، ويبدأ المواطن في فقدان ثقته بها.
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس فقط: ماذا يحدث حين يتزوج المال بالسلطة؟ بل: ماذا يحدث حين ينتقل السياسي من المال والسلطة إلى الثقافة، وحين تتحول الثقافة نفسها إلى امتداد للنفوذ السياسي؟ ذلك هو السؤال الأكثر خطورة، لأن فساد السياسة يمكن أن يُقاوم بالقانون، وفساد المال يمكن أن يُلاحق بالمؤسسات الرقابية، أما حين تتلوث الثقافة بالسلطة، فإن الفساد يتسلل إلى المنطقة التي يُفترض أن تنتج الوعي الذي يكشف الفساد ويقاومه.
فالإنسان لا يحيا بالخبز وحده، لكنه أيضاً لا يستطيع أن يعيش بالسياسة وحدها. وحين تختزل حياة الشعوب في السياسة، تصبح السياسة مرضاً إضافياً بدلاً من أن تكون وسيلة للعلاج. الإنسان يحتاج إلى الغذاء، لكنه يحتاج كذلك إلى المعرفة، وإلى التعليم، وإلى الصحة، وإلى العدالة، وإلى المعنى، وإلى القدرة على فهم ذاته ومجتمعه والعالم الذي يعيش فيه. ومن هنا فإن اختزال أزمات المجتمعات العربية في السياسة وحدها يبدو أشبه بمحاولة قراءة شجرة كاملة من خلال ورقة واحدة.
لقد عرفت مجتمعاتنا العربية، خلال عقود طويلة، تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، غير أن كثيراً من نتائج تلك التحولات لم يكن سياسياً خالصاً؛ بل كان وراءه تاريخ طويل من التربية، والتعليم، والعادات، والأعراف، والبنية الاجتماعية، وأنماط التنشئة، وصور السلطة داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، فضلاً عن الخوف المتوارث، وثقافة الامتثال، وغياب التفكير النقدي، وضعف الثقة بالمؤسسات. ولذلك فإن كثيراً من مشكلاتنا المستعصية لا توجد مفاتيحها في القصر الرئاسي أو البرلمان أو الحزب وحدها، وإنما في البيت والمدرسة والشارع والجامعة ومناهج التعليم ووسائل الإعلام وفي الطريقة التي يتعلم بها الإنسان منذ طفولته معنى السلطة والاختلاف والحق والواجب.
إن الجوع نفسه ليس ظاهرة اقتصادية محضة؛ فالجوع، كما تشير دراسات علم النفس والسلوك، يمكن أن يؤثر في المزاج والإدراك والحكم على الأشياء، وقد يجعل الإنسان أكثر عرضة للتوتر والانفعال والنظرة السلبية إلى المستقبل. لكن الوجه الآخر للمسألة لا يقل خطورة: الثروة التي لا تتحول إلى معرفة وعدالة وتنمية قد تصبح، هي الأخرى، نوعاً من الفقر. وهنا تستعيد أسطورة الملك ميداس معناها الفلسفي القديم.
التعليقات (0)