كيف يمكن للدول أن تنهار وهي تبدو في ظاهرها متينة وقوية؟ سؤال يراود الكثيرين ممن يبحثون في أسباب ضعف الدول وتفكك المنظومات. فالتاريخ يخبرنا أن الانهيار لا يبدأ دائمًا من الخارج، ولا يكون دائمًا نتيجة ضربة مفاجئة؛ بل قد يبدأ من الداخل، من خلل صغير يتسع مع الوقت، ومن فكرة بسيطة تفقد معناها تدريجيًا، حتى تصبح المؤسسة أكبر من الهدف الذي أُنشئت من أجله.
يُحكى أن ملكًا خرج يومًا في جولة بين القرى، فرأى الناس في قرية الصيادين يقصدون النهر ليشربوا الماء بأيديهم. لم يكن المشهد يليق بكرامة الإنسان في نظره، فسأل عن السبب، فقيل له إن الماء متوفر، لكن لا يوجد ما يحفظه ويجعله قريبًا من الناس. عندها أمر الملك بشراء زير كبير ووضعه في مكان قريب من الطريق، ليشرب منه كل عابر سبيل.
كان القرار بسيطًا، والغاية واضحة: توفير الماء للناس بطريقة تحفظ وقتهم وكرامتهم. لم يكن المطلوب أكثر من زير وماء يستفيد منه الناس. لكن القرارات البسيطة، حين تدخل دهاليز الإدارة، قد تبدأ رحلة طويلة تفقد خلالها بساطتها، وربما تفقد معها الهدف الذي وُجدت من أجله.
اجتمع مستشارو الملك، ورأوا أن الزير يحتاج إلى حارس يحميه، وسقّاء يملؤه بالماء، فتم تعيين الحارس والسقّاء. وبعد فترة، قيل إن الحارس لا يستطيع العمل طوال اليوم، فلا بد من نظام ورديات، وإن السقّاء يحتاج إلى من ينظم عمله، فظهرت الحاجة إلى مشرفين ومسؤولين.
ومع مرور الوقت، أصبح للزير سجلّ، وللسجل قسم، وللقسم إدارة، وللإدارة مدير، وللمدير مساعدون. ثم ظهرت الحاجة إلى الشؤون المالية، والشؤون القانونية، والرقابة، والتدقيق، والتخطيط، والجودة، والعلاقات العامة، وأُنشئت لجان لتطوير الزير، ولجان لمتابعة أعمال اللجان، ولجان لتقييم أداء اللجان التي تتابع تطوير الزير!
ثم وُضعت رؤية ورسالة وقيم مؤسسية، وأُعدت خطط استراتيجية، ومؤشرات أداء، وتقارير فصلية، ودليل إجراءات، ونماذج رسمية، وأختام ومراسلات. كبرت مؤسسة الزير، واتسعت مكاتبها، وزاد عدد العاملين فيها، وأصبحت تمتلك من الأنظمة والتعليمات ما يكفي لإدارة مدينة كاملة، بينما ظل الزير نفسه ينتظر أن يملأه أحد بالماء!
التعليقات (0)