قبل أن يرث مواقع سلفه ياسر عرفات (ابو عمار)، زعيماً لحركة فتح، ورئيساً لمنظمة التحريرالفلسطينية، وانتخابه رئيساً للسلطة الفلسطينية عام 2005، كان محمود عباس (ابو مازن) قد أظهر معارضة شجاعة لنهج عرفات، ولا سيما أثناء الانتفاضة الثانية وعسكرتها (2000-2005). وقد ساعده على تلك المعارضة، تزامنها مع ضغوط إقليمية ودولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على عرفات لتجريده من صلاحياته، أو بعض منها، عن طريق فرض استحداث منصب رئيس الوزراء في السلطة الفلسطينية، وإجبار عرفات على تعيين "ابو مازن" في المنصب المستحدث. وحسب استطلاعات المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، كان عرفات في تلك السنوات قد خسر أكثر من نصف شعبيته التي تراجعت إلى أقل من 40% مقارنة بحوالي 87% عند انتخابه رئيساُ للسلطة الفلسطينية عام 1996، وللتعبير عن شدة الضغوط الداخلية والخارجية التي كان يتعرض لها عرفات، وفي خطوة تجاوزت حدود الخصومة السياسية، أوعز عرفات لحركة فتح بالتحرك لتنظيم مسيرات ضد "ابو مازن" بوصفه "كرزاي فلسطين"، وذلك بالإشارة إلى حامد كرزاي الذي جاء على ظهر دبابة أمريكية لحكم أفغانستان التي احتلتها أميركا عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001. وبعد استحداث المنصب، لم يمض أكثر من ستة شهور على تعيين "أبو مازن" رئيساً للوزراء عام 2003، حتى قدم استقالته بسبب مراوغة عرفات، وعدم رغبته بتقاسم حقيقي للسلطة والصلاحيات.
في البداية، لابد من استعراض سريع لأحداث عاكست "حظ" ونهج وبرنامج "ابو مازن" في سنواته الأولى على رأس هرم السلطة. فبعد أن قدم برنامجاً سياسياَ واضحاً وصريحاً يقوم على الواقعية، ورفض عسكرة الانتفاضة، والتمسك بالمفاوضات، والاعتماد على الدبلوماسية والقانون الدولي لتحقيق الدولة الفلسطينية، وانتخاب الشعب له على أساس هذا البرنامج بنسبة 62% عام 2005. بعد ذلك بحوالي عام، فازت حركة حماس المناهضة لنهج وبرنامج "ابو مازن" بأغلبية المجلس التشريعي عام 2006. ثم جاء الانقسام بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة عام 2007. وما أن جاء بريق أمل مع انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية عام 2008، لم يكمل أوباما أول مئة يوم له في البيت الأبيض حتى عاد بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة في إسرائيل عام 2009. ثم جاءت فضيحة إحباط تقرير "غولدستون" بتوجيهات من "ابو مازن"، وهو التقرير الأممي الذي اتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب في حربها على قطاع غزة في نهاية عام 2008 وبداية عام 2009. وبذلك، كان "ابو مازن" قد أنهى فترته القانونية رئيساً للسلطة الفلسطينية.
"الفلسطيني الجديد" وخسارة انتخابات المجلس التشريعي عام 2006
مثقلاً بنتائج الانتفاضة الثانية، وما تخللها من مظاهر للفلتان الأمني الذي تسببت به بشكل رئيسي مجموعات مسلحة محسوبة على أجهزة الأمن وحركة فتح،. بدأ "ابو مازن" مسيرته بالتركيز على إعادة بناء أجهزة الأمن بإشراف الجنرال الأمريكي "دايتون" في الفترة ما بين 2005-2010، ومع فوز حركة حماس بأغلبية المجلس التشريعي عام 2006، وسيطرتها على قطاع غزة عام 2007، تضاعفت رغبة وحاجة "ابو مازن" لأجهزة أمن أكثر ولاءً، ومع هذه الحاجة تضاعف أيضاً نفوذ "دايتون" في إعادة بناء وهيكلة وتدريب أجهزة الأمن، حتى وصل نفوذه إلى تغيير عقيدتها الأمنية، لدرجة وصف "دايتون" لنتيجة مهمته بأنها نجحت بإنتاج بما أسماه "الفلسطيني الجديد". وأعتقد أن دور "دايتون"، بالاضافة إلى البطء في معالجة الفلتان الأمني، وغياب خطوات جدية في محاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين، كانت، وربما مازالت، من أهم الأسباب التي ساهمت بشكل كبير في معاقبة الشعب لحركة فتح في صناديق الاقتراع التي أدت إلى خسارتها الانتخابات التشريعية عام 2006.
منذ عام 2010، محاصراً بالانقسام مع حركة حماس بالإضافة إلى بداية الانقسامات الفتحاوية بفصل القيادي محمد دحلان من حركة فتح، وانتهاء ولايته القانونية رئيساً للسلطة، وتعنت إسرائيل بقيادة نتنياهو. وبالتوازي مع بدء مسلسل جهود المصالحة وإنهاء الانقسام مع حركة حماس، بدأ "ابو مازن" بالتهديد بورقة حل السلطة الفلسطينية (تسليم المفاتيح)، لكن بدون أية إجراءات تدل على مصداقية التهديد، مثل تقديم رؤية أو برنامجاً لما بعد خطوة الحل. بل ذهب إلى مسار يناقض تهديد "تسليم المفاتيح"، وهو مسار الاعتراف الأممي بدولة فلسطين عام 2012. لكن على الأرض، لم يغير الاعتراف الأممي أي شيء. أما جهود المصالحة وإنهاء الانقسام، فقد اصطدمت برضوخ "ابو مازن" لشروط نتنياهو الذي وضع "ابو مازن" أمام خيارين: إما المصالحة مع حماس أو المفاوضات مع إسرائيل، فاختار "ابو مازن" المفاوضات. وكان جون كيري وزير خارجية أوباما في ولايته الثانية، قد قاد جهوداً مكوكية لرعاية آخر مفاوضات مباشرة قبل فشلها عام 2014. ومع مرور السنوات وتوقف المفاوضات، تبين أن شروط نتنياهو لم تكن السبب الوحيد في عدم إتمام المصالحة، بل نية مسبقة لدى "ابو مازن" وفريقه بعدم تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، وهذا الاستنتاج مدعوم بشهادة عدة فصائل ومراقبين كانوا على اطلاع قريب من كل المباحثات والاتفاقيات التي تم التوصل اليها بين حركتي فتح وحماس وبقية الفصائل، والذي كان آخرها اتفاق بكين عام 2024.
وبالعودة إلى تقرير غولدستون والاعتراف الأممي، تبرز هنا أسئلة جوهرية: اليس القانون الدولي إحدى الأدوات التي يؤمن "ابو مازن" أنها قادرة على انتزاع حقوق الفلسطينيين؟ فلماذا جرد نفسه، دون مقابل، من أداة مهمة مثل تقرير غولدستون عام 2009. كذلك، لماذا بقي الاعتراف الأممي بفلسطين كدولة غيرعضو، دون أية محاولة للاستثمار به لإحداث تغيير على أرض الواقع، مثل محاولة جعل الاعتراف فرصة لفرض السيطرة والسيادة على الارض؟ وعلى ذكر الأدوات أيضاً، ألم يكن يؤمن "ابو مازن" بالمقاومة الشعبية السلمية؟ فماذا فعل خلال عقدين لتفعيل هذه الأداة؟ وهي بالمناسبة من أصعب أشكال المقاومة، فضمان أن تكون واسعة المشاركة جماهيرياً وجغرافياً وبالتالي مؤثرة، بحاجة لتوفر شروط عدة أهمها ثقة الجماهير بالقيادة. وهذا الشرط لا يتوفر في "ابو مازن" على الأقل في العقد الأخير، فحسب استطلاعات المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، راوحت نسبة الفلسطينيين الذين يطالبون باستقالة "ابو مازن" في العقد الأخير حول 80%، وتجاوزت النسبة حاجز 90% في الضفة الغربية أثناء حرب الإبادة على غزة. كذلك، اليست مقاطعة إسرائيل كقوة احتلال، ودولة فصل عنصري، إحدى الأدوات التي تأتي تحت إطار نهج "ابو مازن" في التعويل على القانون الدولي والمقاومة الشعبية السلمية؟ فلماذا قال إنه يعارض مقاطعة إسرائيل في تصريح له أثناء زيارته لدولة جنوب أفريقيا عام 2013؟ وعليه، لا شيء يدعونا للتشكيك بصحة الخبر الذي تم تداوله مؤخراُ عن طلب "ابو مازن" من دولة جنوب أفريقيا سحب الدعوى التي قدمتها ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية بسبب حربها الإبادية على قطاع غزة.
التعليقات (0)