f 𝕏 W
حين تكافئ المدرسة الطاعة وتنسى الضمير

جريدة القدس

سياسة منذ 10 سا 0 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

حين تكافئ المدرسة الطاعة وتنسى الضمير

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
تتناول المقالة التمييز بين الانضباط والطاعة في البيئة المدرسية، حيث تشير إلى أن المدارس التي تكافئ الطاعة الصامتة بدلاً من تشجيع التفكير النقدي والضمير قد تفشل في إعداد الطلاب للحياة. وتؤكد على أهمية منح الطلاب صوتاً داخل بنية واضحة وعلاقة قائمة على الثقة، بما يتماشى مع نظريات التحديد الذاتي واتفاقية حقوق الطفل.
أبرز النقاط

الإثنين 31 أغسطس 2026 10:42 صباحًا - بتوقيت القدس

وقف طفل في آخر الصف ورفع يده. لم يكن يريد الإجابة عن سؤال في الكتاب. كان يريد أن يسأل لماذا عوقب الصف كله بسبب خطأ ارتكبه طالبان. نظر المعلم إليه وقال بلهجة حاسمة. اجلس ولا تناقش. وفي المقعد القريب جلس طفل آخر بلا حركة. لم يسأل ولم يعترض ولم ينظر حتى نحو زميله. ابتسم المعلم وقال أمام الجميع. تعلموا منه الأدب.خرج الطفلان من الحصة وقد تعلما درسين مختلفين. الأول تعلم أن السؤال قد يكلفه غضب الكبار. والثاني تعلم أن الصمت طريق آمن إلى المديح. لكن السؤال الذي يجب أن يقلق كل أب وأم وكل معلم و مدير مدرسة هو هذا. أي طفل منهما نريد أن نرسله إلى الحياة؟تعاني مدارس كثيرة من خلط قديم بين الانضباط والطاعة. الانضباط قيمة إنسانية تقوم على فهم الحدود واحترام الآخرين وتحمل نتيجة القرار. أما الطاعة الصامتة فهي تنفيذ ما يطلبه صاحب السلطة من غير فحص أو سؤال. قد يبدو الفرق صغيرا داخل حصة مزدحمة. لكنه يصبح هائلا حين يكبر الطفل ويقف أمام ضغط جماعة أو ظلم في مكان عمل أو قرار يهدد مستقبله. عندها لن تنقذه قدرته على الجلوس بهدوء. سينقذه ضميره وقدرته على التفكير وقول لا حين تصبح لا موقفاً أخلاقياً.لا يمكن لأي مدرسة أن تعمل بلا نظام. والحرية لا تعني الفوضى. المعلم يحتاج إلى بيئة تسمح بالتعلم. والطالب يحتاج إلى حدود تحميه وتحمي زملاءه. لكن الحدود التي لا تشرح نفسها تتحول مع الوقت إلى خوف. والقواعد التي لا تسمح بالسؤال تربي الامتثال ولا تربي المسؤولية. هنا يظهر الفرق بين إدارة تضبط السلوك من الخارج وإدارة تبني الضبط من الداخل.الطفل الذي ينفذ التعليمات خوفا من العقاب قد يبدو ناجحا في دفتر الملاحظات. لكنه لم يتعلم كيف يقود نفسه. هو فقط تعلم كيف يراقب وجه صاحب السلطة. فإذا غابت العين التي تراقبه تغير سلوكه. أما الطفل الذي يفهم سبب القاعدة ويشارك في صياغتها ويعرف أثر خرقها فهو يمارس قيادة الذات. يفعل الصواب لأن له معنى في داخله لا لأن أحدا يقف فوق رأسه.هذا المعنى يجد سندا واضحا في نظرية التحديد الذاتي التي طورها إدوارد ديسي وريتشارد رايان. ترى النظرية أن الإنسان يحتاج إلى ثلاثة عناصر كي تنمو دافعيته بصورة صحية. الاستقلالية والكفاءة والانتماء. وفي عرضهما المرجعي المنشور في مجلة American Psychologist عام 2000 أوضح الباحثان أن البيئة التي تدعم هذه الاحتياجات تساعد الإنسان على بناء دافعية داخلية ونمو نفسي أفضل. ثم بين كريستوفر نيميك وريتشارد رايان في دراسة عام 2009 أن الصف الداعم للاستقلالية لا يلغي دور المعلم ولا يترك الطالب بلا حدود. هو يمنحه صوتا داخل بنية واضحة وعلاقة تقوم على الثقة.الإدارة التربوية هنا ليست تعليمات تكتب على جدار المدرسة. هي المناخ الذي يشعر به الطفل كل صباح. هل يسمح له أن يقول لا أفهم؟ هل يستطيع الاعتراض باحترام؟ هل يسمع المعلم شكواه قبل أن يصدر الحكم؟ هل مجلس الطلبة مساحة حقيقية للرأي أم صورة تعلق في التقرير السنوي؟ هذه التفاصيل الصغيرة تخبر الطفل بمكانته أكثر مما تفعله الخطب الطويلة عن القيم.المفارقة أن المدرسة قد تكتب التفكير الناقد ضمن أهدافها ثم تعاقب أول طالب يستخدمه مع قرار مدرسي. وقد تطلب من الطلبة المبادرة ثم تصف صاحب السؤال المزعج بأنه قليل احترام. نحن نحب التفكير ما دام يصل إلى النتيجة التي اخترناها له. ونحب الشخصية القوية ما دامت لا تقف أمام سلطتنا. هكذا يتحول التعليم إلى تدريب طويل على قراءة مزاج الكبار بدل قراءة العالم.باولو فريري وصف هذا الخلل في كتاب تربية المقهورين عام 1970 من خلال نقد التعليم البنكي الذي يضع المعلم في موقع المودع والطالب في موقع الوعاء. لكن الطفل ليس وعاء. هو عقل يتشكل وصوت يبحث عن لغته وضمير يتدرب كل يوم. وإذا اعتاد أن الحقيقة تسير في اتجاه واحد من الأعلى إلى الأسفل فقد يحمل الشهادة من دون أن يحمل الشجاعة التي تجعله مواطنا مسؤولا.لقد وضعت اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عام 1989 هذا المعنى في صيغة واضحة. تمنح المادة الثانية عشرة الطفل حق التعبير عن رأيه في القضايا التي تمسه وتطلب من البالغين الاستماع إليه وأخذ رأيه بجدية. هذا الحق لا يسقط عند بوابة المدرسة. بل إن المدرسة هي المكان الاول الذي يجب أن يتعلم فيه الطفل أن صوته له قيمة وأن استخدام هذا الصوت يحتاج إلى معرفة واحترام ومسؤولية.وتضع بوصلة التعلم 2030 الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فاعلية الطالب في قلب تعليم المستقبل. الفكرة ليست أن يتلقى المتعلم طريقا جاهزا من المعلم. بل أن يتعلم كيف يجد اتجاهه في مواقف جديدة ويتخذ قرارا له معنى ويتحمل أثره. كما أكدت اليونسكو في دليل المشاركة الفاعلة للشباب الصادر عام 2025 أن صوت المتعلم ليس زينة تضاف إلى التعليم. هو جزء من جودة التعليم ومن قدرة المدرسة على إعداد انسان يشارك في تشكيل العالم الذي سيعيش فيه.لا تبدأ المشكلة من المدرسة وحدها. في البيت قد نقول للطفل كن صريحا ثم نغضب حين يختلف معنا. نطلب منه أن يكون قويا في الخارج ومطيعا بلا سؤال في الداخل. نخشى أن يفلت من أيدينا فنغلق مساحة الحوار. لكنه سيكبر على كل حال. والسؤال ليس هل سيبتعد عن سلطتنا؟ السؤال هل سيحمل معه بوصلة داخلية حين لا نكون بقربه؟المدرسة الحكيمة لا تخاف من صوت الطالب. تعلمه كيف يستخدمه. تفرق بين الاعتراض والإهانة وبين الحرية والفوضى وبين السؤال ورفض كل قاعدة. يمكن للمعلم أن يقول للطفل اختلف معي لكن قدم سببا. ويمكن للمدير أن يخصص لقاء دوريا يسمع فيه الطلبة من دون نصوص محفوظة. ويمكن أن تتحول القواعد من اوامر معلقة إلى عهد يشارك الصف في بنائه. عندها يصبح النظام قيمة مشتركة لا جدارا يفصل الصغار عن الكبار.نحن لا نحتاج جيلا يرفض كل شيء. ولا نحتاج جيلا يقبل كل شيء. نحتاج انسانا يعرف متى يصغي ومتى يسأل ومتى يعترض ومتى يراجع نفسه. انسانا يحترم السلطة حين تحمي الحق ولا يقدسها حين تخطئ. وهذه ليست مهارة سياسية فقط. هي جوهر التربية.في نهاية اليوم قد يبقى الطفل الصامت هو الاسهل على المعلم. لكنه ليس بالضرورة الاكثر استعدادا للحياة. الطالب المثالي ليس من لا يقول لا. هو من يعرف لماذا يقول نعم. ويعرف متى تصبح لا واجبا. فإذا أردنا مدارس تزرع القيم حقا فعلينا أن نتوقف عن مكافأة الصمت لمجرد أنه يريحنا. وأن نبدأ ببناء ضمير يستطيع صاحبه أن يقود نفسه قبل أن ينتظر من يقوده.

حين تكافئ المدرسة الطاعة وتنسى الضمير

د. سارة محمد الشماس باحثة وكاتبة في التراث والعلوم التربوية

د. أحمد رفيق عوض : مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية

واصل الخطيب: مسؤول ملف الإعلام في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)