تحت سماءٍ ملبدة بخيبات أمل الأجيال الفلسطينية، وعقود طويلة من الصمود و المعاناة ، تمثل قضية الشعب الفلسطيني واحدة من أكثر القضايا إيلامًا، وواحدة من أصعب الاختبارات لقدرة المجتمع الدولي على تحويل مبادئ العدالة والقانون إلى واقع، فقد بقيت القضية الفلسطينية، رغم عشرات القرارات والمبادرات، عالقة بين قوة تفرض الأمر الواقع وقانون دولي يعجز عن فرض نفسه.
ومن هنا اكتسى المؤتمر الدولي بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين، الذي رعته المملكة العربية السعودية وفرنسا في إطار الأمم المتحدة، والذي عقد في نهاية تموز 2025 وما انتهى إليه من «إعلان نيويورك»، الذي يسعى الى فتح مسار مختلف عن المفاوضات الثنائية التي استمرت عقودًا من دون أن تنجح في إنهاء الاحتلال أو إقامة الدولة الفلسطينية.
وقد اكتسب الإعلان وزنًا سياسيًا واضحًا من حجم التأييد الذي حصل عليه في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ أيدته 142 دولة، في مقابل عشر دول عارضته واثنتي عشرة دولة امتنعت عن التصويت، وهذا الرقم يمنح الفلسطينين شعورًا بأنهم ليسو وحيدين في مواجهة هذا الواقع، وأن أصواتًا كثيرة في العالم ما تزال تبحث عن إنصاف طال انتظاره، وفي الوقت نفسه، يكشف حجم الفجوة بين موقف دولي واسع يؤيد المسار، وبين الموقف الإسرائيلي والأمريكي الرافض له.
فقد وقفت إسرائيل والولايات المتحدة في مقدمة المعارضين، إلى جانب الأرجنتين والمجر وعدد من دول المحيط الهادئ، بينما اختارت دول أخرى، بينها التشيك، الامتناع. ولا يعني ذلك أن الخلاف الدولي قد حُسم، لكنه يؤكد أن حل الدولتين ما زال يحظى بتأييد دولي واسع، وأن المشكلة لم تعد في غياب الاعتراف بالمبدأ، بل في كيفية الانتقال من الاعتراف إلى التنفيذ.
وهنا تكمن المسألة الأهم، فالفلسطينيون لم يعودوا بحاجة إلى إعلان جديد يؤكد حقهم في الدولة بقدر حاجتهم إلى مسار يستطيع أن يقرّب هذه الدولة من الواقع، ولذلك حاول المؤتمر تجاوز النموذج القديم الذي أبقى المفاوضات مفتوحة بلا نهاية، ووضع تصورًا لمسار متعدد الأطراف يتضمن خطوات سياسية واقتصادية وأمنية وقانونية، ويبحث عن إطار زمني واضح لإنجاز الانتقال نحو الدولة الفلسطينية.
لكن أي مسار دولي سيظل محدود الأثر إذا لم يمتلك وسيلة للتعامل مع الطرف الذي يرفضه، وهذه هي العقدة التي واجهت المبادرات السابقة؛ فقد كانت الشرعية الدولية موجودة، والقرارات موجودة، والمواقف الدولية موجودة، لكن الاحتلال والاستيطان استمرا على الأرض.
التعليقات (0)