f 𝕏 W
"فتح".. من شرعية الثورة إلى "فتح الثالثة"

جريدة القدس

سياسة منذ 2 سا 1 10 د قراءة
زيارة المصدر ←

"فتح".. من شرعية الثورة إلى "فتح الثالثة"

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
تناقش المقالة مستقبل حركة فتح الفلسطينية بعد مؤتمرها العام الثامن، مشيرة إلى الحاجة لنموذج قيادة جديد يتجاوز شرعية الثورة والسلطة الحالية. تؤكد المقالة على أهمية الأداء والإنجاز كمصادر للشرعية، وضرورة تجديد الحركة عبر إشراك الشباب والمرأة والشتات، مع استعادة دور المجلس الثوري في المساءلة والرقابة.
أبرز النقاط

الأحد 30 أغسطس 2026 10:28 صباحًا - بتوقيت القدس

لم تكن حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" مجرد تنظيم سياسي ولد في لحظةٍ تاريخية ثم استمر بقوة الذاكرة. كانت، في جوهر نشأتها، محاولة فلسطينية لاستعادة القدرة على الفعل؛ أن يصبح الفلسطيني صاحب قرار في قضيته، وأن تتحول الهوية الوطنية من ذاكرة شعب منكوب إلى مشروع سياسي قادر على المبادرة.وإلى جانب الرئيس الشهيد ياسر عرفات "أبو عمار"، والقائد الشهيد خليل الوزير "أبو جهاد"، والقائد الشهيد صلاح خلف "أبو إياد"، وغيرهم من القادة والمؤسسين، صنعت فتح تاريخها أيضاً بتضحيات آلاف الشهداء والأسرى والجرحى والمناضلين والمناضلات.لذلك، لا يستطيع رئيس، ولا لجنة مركزية، ولا مجلس ثوري، ولا مؤتمر أن يختزل فتح في ذاته.فملكيتها الأخلاقية موزعة على تاريخ من التضحية، وملكيتها السياسية ينبغي أن تبقى لأعضائها ومؤسساتها ومشروعها الوطني.فالسؤال عن مستقبل فتح ليس إساءة إليها، بل أحد أشكال الوفاء لها؛ لأن الحركة التي تخشى السؤال عن مستقبلها تكون قد بدأت تخشى المستقبل نفسه.انعقد المؤتمر العام الثامن لحركة فتح في 14 أيار/مايو 2026، بعد نحو عقد على المؤتمر السابع، وانتخب لجنة مركزية ومجلساً ثورياً جديدين، في لحظةٍ فلسطينيةٍ شديدة التعقيد. لكن قيمة المؤتمر لا تكمن في عدد من دخلوا الهيئات أو غادروها، بل في سؤال أعمق: هل أنتج المؤتمر قيادة جديدة فقط، أم يستطيع أن ينتج طريقة جديدة في القيادة؟ربما لم تعد أزمة فتح قابلة للحل بالعودة إلى نموذج الثورة، ولا بالاكتفاء بإدارة نموذج السلطة بصورة أفضل. ما تحتاجه الحركة هو نموذج ثالث يعيد تعريف العلاقة بين التاريخ والشرعية، وبين الموقع والمؤسسة، وبين التنظيم والمجتمع.وهنا يظهر السؤال الأعمق: هل ما تزال الحركة تنتج الموقع، أم أصبح الموقع ينتج القوة داخل الحركة؟فتح التي سبقت السلطة الوطنية الفلسطينية بنحو ثلاثة عقود لم تبن حول وزارة أو جهاز أو وظيفة عامة. لكن انتقال مركز الثقل الفلسطيني بعد أوسلو إلى مؤسسات الحكم غير العلاقة بين التنظيم والسلطة، كما حدث مع حركات تحرر عديدة انتقلت من الثورة إلى الحكم.الخطر يبدأ عندما يتحول الموقع الرسمي إلى مصدر دائم للنفوذ التنظيمي، أو يصبح الوصول إلى القرار مرتبطا بالموقع أكثر من الكفاءة والعمل. لذلك، فالمشكلة ليست من يشغل الموقع فقط، بل كيف يصل إليه، ومن يراقبه، وكيف يقيم، ومتى يغادره.الموقع التنظيمي لا ينبغي أن يكون مكافأةً على الماضي، بل تكليفاً قابلاً للقياس في الحاضر.بعد المؤتمر، عقدت اللجنة المركزية لحركة فتح اجتماعها الأول في 3 حزيران/يونيو 2026، برئاسة الرئيس محمود عباس "أبو مازن"، وانتخبت عضو اللجنة المركزية السيد حسين الشيخ نائبا لرئيس حركة فتح، في موقع يحمل أهمية تنظيمية وسياسية خاصة في بنية القيادة الجديدة، ولا سيما في مرحلة تتقدم فيها أسئلة تجديد المؤسسة واستمرارية القرار وإدارة الانتقال السياسي.ثم شرعت اللجنة المركزية في توزيع المفوضيات والمهام التنظيمية، بما يضع القيادة الجديدة أمام الاختبار الأهم: الانتقال من شرعية الانتخاب وتوزيع المسؤوليات إلى شرعية الأداء والإنجاز.وهنا ينبغي ألا ينظر إلى المفوضيات بوصفها توزيعاً للمواقع؛ فالانتخابات تخبرنا من حصل على الشرعية التنظيمية، أما المفوضيات فتخبرنا كيف ستتحول هذه الشرعية إلى فعل.المفوضية ليست وجاهة؛ إنها عقد أداء. ولذلك، ينبغي أن تكون لكل مفوضية أهداف قابلة للقياس وتقرير أداء يناقشه المجلس الثوري، ليصبح السؤال داخل فتح: ماذا أنجزت؟ لا: ما موقعك؟أما التعبئة الفكرية، التي كلف بها عضو اللجنة المركزية ورئيس الوزراء السابق الدكتور محمد اشتية، فينبغي أن تتجاوز التثقيف التقليدي إلى بناء حركة تعرف كيف تفكر، عبر منظومة للاستشراف ودعم القرار تربط القيادة بالجامعات والخبراء والبيانات، وتجعل المعرفة جزءاً من صناعة السياسة.فالحركة التي تمتلك تنظيماً بلا عقل تستطيع إدارة أعضائها، لكنها لا تستطيع قيادة زمنها.وفي المقابل، ينبغي أن يستعيد المجلس الثوري وظيفته في المساءلة والرقابة. ففي جلسته الافتتاحية، في 11 حزيران/يونيو 2026، انتخب المجلس السفير جمال الشوبكي أميناً للسر، والدكتورة عائشة الكرد وأنطون سلمان نائبين له. لكن أهمية المجلس ليست في أسمائه بقدر ما هي في وظيفته: إذا كانت اللجنة المركزية تقود، فإن المجلس الثوري عليه أن يسائل ويتابع ويقيس التنفيذ.المؤسسة القوية ليست التي تمنع الخلاف، بل التي تمنع الخلاف من تدميرها.فالمشكلة ليست أن يختلف قادة فتح؛ المشكلة أن يعرف الناس أسماء المختلفين، ولا يعرفوا الأفكار التي يختلفون عليها.وهنا نصل إلى جوهر الأزمة: أزمة فتح اليوم هي، في جانب أساسي منها، أزمة انتقال في الشرعية.امتلكت الحركة شرعية الثورة والتضحية، ثم شرعية قيادة المشروع الوطني، ثم أضيفت إليها شرعية المؤسسة والانتخابات والحكم. لكن جيلا جديدا لم يعش الثورة، ولم يعرف من عملية السلام إلا تعثرها، ونشأ بعد الانقسام عام 2007 في واقع مختلف. هذا الجيل يستطيع احترام التاريخ، لكنه لن يمنح أحداً شرعية المستقبل لمجرد امتلاك شرعية الماضي.ولهذا، تحتاج فتح إلى مصادر متجددة للشرعية: المشاركة، والمحاسبة، والإنجاز، والقدرة على التجدد.والتجدد لا يبدأ وينتهي في اللجنة المركزية. فتح موجودة في الإقليم والمنطقة والشعبة، وفي الجامعة والنقابة والمخيم والقرية والمدينة. والإقليم الحديث لا ينبغي أن يكون مكتبا لتنفيذ التعليمات، بل مساحة للمبادرة واكتشاف الكفاءات وإنتاج الأفكار. إنها "لامركزية سياسية منظمة": وحدة في القرار الوطني والاستراتيجية، ومساحة للمبادرة المحلية.والشباب ليسوا ملفا داخل هذا الإصلاح؛ إنهم اختباره. فانتقال الأعمار ليس بالضرورة انتقالا في الأفكار. والسؤال هو: هل يستطيع الباحث والمهندس والطبيب والاقتصادي والتقني أن يجد داخل فتح طريقاً واضحاً من الكفاءة إلى القرار؟والمرأة ليست حصة في المستقبل؛ فالسؤال ليس كم امرأة تدخل القيادة، بل كم امرأة تشارك فعلا في صناعة القرار. فالتمثيل يحصى بالأرقام، أما الشراكة فتقاس بالنفوذ في القرار.ولا يكتمل التجديد من دون الشتات. فالنظام الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني، المصادق عليه في 4 حزيران/يونيو 2026، حدد عضويته بـ350 عضوا، منهم 200 للداخل و150 للخارج والشتات، فيما أعاد القرار بقانون رقم (17) لسنة 2026 عدد أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني إلى 132 عضوا.لكن جوهر المسألة ليس الأرقام. فالشتات ليس ذاكرة وطنية فقط؛ يمكن أن يصبح شبكة قوة فلسطينية عالمية تربط الكفاءات الفلسطينية في الخارج بصناعة السياسات والقرار.وسيكون الاختبار الأكبر في الانتخابات التشريعية المقررة، بموجب المرسوم الرئاسي الصادر في 9 تموز/يوليو 2026، يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026.وهنا ينبغي استعادة درس 2006؛ حين حصلت قائمة "التغيير والإصلاح"، وفق النتائج الرسمية للجنة الانتخابات المركزية، على 74 مقعداً من أصل 132، مقابل 45 مقعدا لحركة فتح.التاريخ النضالي لا يتحول تلقائيا إلى أغلبية انتخابية.لذلك، فالسؤال في 2026 ليس كيف لا تخسر فتح كما خسرت عام 2006، بل: ما الذي يجب أن يتغير فيها حتى لا يصبح انتصارها معتمدا على ضعف خصومها؟ بل على استحقاقها هي لثقة الناس؟واختيار المرشحين هنا ليس تفصيلا؛ فالديمقراطية لا تبدأ يوم الاقتراع، بل بالطريقة التي تختار بها الحركة من يمثلها أمام الناس. لكن قيادة المشروع الوطني لا تتوقف عند تنظيم فتح أو الانتخابات.فهناك ساحة أخرى ظلت أقل حضورا مما تستحق: المجتمع الإسرائيلي.لقد عرف الفلسطينيون الحكومات والأحزاب والجنرالات الإسرائيليين، لكن معرفة النظام السياسي لا تعني امتلاك سياسة تجاه المجتمع الذي ينتجه.لا يمكن صناعة سلام مع مجتمع لا نعرفه، كما يصعب أن يقبل بنا مجتمع لا يعرف من نحن.لذلك، تحتاج فتح إلى استراتيجية تجاه المجتمع الإسرائيلي، لا مجرد ملف إسرائيلي؛ معرفة بتحولاته وتياراته، وخطاب فلسطيني مباشر بالعبرية لا يستجدي قبولاً ولا يتنازل عن حق، بل يمنع اليمين الإسرائيلي من احتكار تعريف الفلسطيني داخل الوعي الإسرائيلي.والأمر نفسه ينطبق على العالم.فالعلاقات الدولية لا تبنى بالزيارات الرسمية وحدها؛ يجب أن تتحول العلاقات الخارجية من شبكة اتصالات إلى شبكة تأثير تخاطب البرلمانات والجامعات والإعلام ومراكز التفكير والمجتمع المدني.فالحق الذي لا يعرف كيف يخاطب العالم يبقى حقاً، لكنه يخسر جزءاً من قدرته على التحول إلى قوة سياسية.وهنا نصل إلى مسألة مؤسسية شديدة الحساسية: فتح ليست السلطة الوطنية الفلسطينية، وليست منظمة التحرير الفلسطينية، وليست دولة فلسطين.قوة هذه المؤسسات لا تأتي من ذوبانها في بعضها. فالحركة التي تصبح الدولة تفقد قدرتها على مساءلة الدولة، والدولة التي تصبح الحركة تفقد حياد المؤسسة العامة.وهذا ليس ترفا تنظيميا؛ فالقانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003 يقوم على سيادة القانون والفصل بين السلطات، فيما تظل منظمة التحرير الفلسطينية الإطار الوطني التمثيلي الأوسع للشعب الفلسطيني.لكن إصلاح فتح ليس غاية قائمة بذاتها. فالحركة حملت مشروع تحرر وطني لشعب ما يزال حقه في تقرير المصير غير مكتمل التحقق، وهو حق أكدته المادة الأولى المشتركة في العهدين الدوليين لعام 1966، كما أكد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3236 لعام 1974 حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال والسيادة الوطنية.لذلك، يجب أن يحكم الإصلاح سؤال واحد: ماذا يضيف إلى قدرة الشعب الفلسطيني على تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة ذات السيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية؟فإذا انفصل إصلاح الحركة عن غايتها الوطنية، قد نبني تنظيما أكثر كفاءة من دون أن نقترب بالضرورة من وطن أكثر حرية. وهنا تكتسب "فتح الثالثة" معناها.كانت هناك فتح الثورة التي استعادت القرار الوطني وبنت الهوية السياسية الفلسطينية، ثم فتح السلطة التي دخلت تجربة الحكم وبناء المؤسسات وتحملت إنجازاتها وإخفاقاتها. لكن الأولى لا يمكن استعادتها بصورتها القديمة، والثانية لا تستطيع وحدها الإجابة عن المستقبل.وتزداد أهمية ذلك عند التفكير في المرحلة التي ستأتي بعد الرئيس محمود عباس.فالخطأ هو اختزالها في سؤال: من يخلف الرئيس؟هناك رئاسة حركة فتح، ورئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئاسة دولة فلسطين، ومؤسسات السلطة؛ ولذلك نحن أمام انتقال مؤسسي متعدد المستويات، لا خلافة رجل في كرسي واحد.ليس السؤال من يخلف الرئيس محمود عباس، بل أي نظام سياسي وتنظيمي سيخلف المرحلة الحالية؟ ومن هنا يمكن تصور أربعة مسارات: استمرار "فتح السلطة" إذا بقي التداخل مع مؤسسات الحكم؛ أو "فتح مراكز القوة" إذا بقي الموقع أقوى من المؤسسة؛ أو "فتح الانقسام" إذا عجزت الأطر عن إدارة الانتقال والخلاف؛ أو "فتح الثالثة" إذا أصبحت المؤسسة حكماً بين مراكز القوة، وتجددت الشرعية عبر الإنجاز والمساءلة والمشاركة.فتح الثالثة مركزها قوي لكن أقاليمها حية؛ لجنتها المركزية تقود ولا تحتكر؛ مجلسها الثوري يسائل ويراقب، ولا يكتفي بالمصادقة؛ مفوضياتها تحاسب على النتائج؛ شبابها يصعدون بالكفاءة، ونساؤها يصنعن القرار، وشتاتها شبكة قوة ومعرفة، وخبراؤها جزء من عقل القرار.فتح الثالثة ليست مشروعا لتغيير من يجلس في المقاعد؛ إنها مشروع لتغيير ما الذي تفعله المقاعد، وكيف يصل أصحابها إليها، وكيف يحاسبون عليها، وكيف يغادرونها.لقد صنع جيل المؤسسين فتح لأنه قرأ زمنه وامتلك الجرأة على تجاوزه.والوفاء لذلك الجيل لا يكون باستعادة أدوات زمنه، بل بامتلاك شجاعته في صناعة أدوات زمننا.لذلك، فإن المعركة أمام فتح ليست العودة إلى "فتح الأولى"، ولا الدفاع عن "فتح الثانية"، بل امتلاك الجرأة على إنتاج "فتح الثالثة": من شرعية التاريخ إلى شرعية الإنجاز، ومن قوة الموقع إلى قوة المؤسسة، ومن إدارة التنظيم إلى إنتاج المعرفة والقيادة، ومن مخاطبة الذات إلى مخاطبة الفلسطيني والإسرائيلي والعالم.عندها تصبح المؤسسة مصدر القوة، والفكرة ميدان المنافسة، والإنجاز مصدر الشرعية.فالسؤال لم يعد: من سيرث فتح؟السؤال هو: هل نبني اليوم فتحا تستطيع الأجيال القادمة أن ترثها؟

"فتح".. من شرعية الثورة إلى "فتح الثالثة"

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)