الأحد 30 أغسطس 2026 10:32 صباحًا - بتوقيت القدس
بعد الترحيب بالبيان المشترك الصادر عن ممثليات بلجيكا، البرازيل، كندا، الدنمارك، الاتحاد الأوروبي، ألمانيا، إيرلندا، إيطاليا، اليابان، النرويج، إسبانيا، سويسرا والمملكة المتحدة، والذي جدّد دعمه للأونروا وأدان بشدة الاقتحام غير القانوني لمركز قلنديا للتدريب والاستيلاء على منشآت تابعة للوكالة في القدس الشرقية. هذا البيان الدولي مهماً، خاصة أنه يجمع دولاً وازنة في موقف واضح دفاعاً عن الأونروا وحرمة منشآت الأمم المتحدة. لكن بعد عقود من البيانات والإدانات، أصبح السؤال المشروع: ماذا بعد البيان؟ الدبلوماسية لا تقتصر على التعبير عن المواقف، وإنما تمتلك أدوات عملية لترجمة هذه المواقف إلى سياسات. فإذا كانت الدول الموقعة تعتبر الاعتداء على مؤسسات الأمم المتحدة انتهاكاً، وترفض الاستيطان والضم وتقويض حل الدولتين، فإن مصداقية هذه المواقف تقتضي أن تنعكس أيضاً على طبيعة علاقاتها الثنائية مع صناع القرار المسؤولين عن هذه السياسات.وهنا يمكن للدول أن تنتقل تدريجياً من الاحتجاج الدبلوماسي إلى إجراءات دبلوماسية واقتصادية موجهة: خفض مستوى التمثيل أو التواصل السياسي عند الضرورة، إعادة النظر في الزيارات الرسمية، فرض قيود على دخول مسؤولين بعينهم وفق الأطر القانونية الوطنية، واتخاذ إجراءات اقتصادية ضد الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات، وصولاً إلى عقوبات موجهة بحق من تثبت مسؤوليتهم عن انتهاكات جسيمة.النقاش يجب ألا يتوقف عند الدفاع عن الأونروا كمؤسسة، بل أن يعود إلى سبب وجودها أصلاً: قضية اللاجئين الفلسطينيين التي بقيت بلا حل منذ ما يقارب ثمانية عقود. كما انه من الضروري انفاذ الأصول الدبلوماسية في التعامل الثنائي بين كل هذه الدول صاحبة البيان ومواقفها العملية تجاه صناع السياسة الإسرائيليين وضرورة وسمهم بشكل دبلوماسي انهم غير قانونيين وغير مرغوب فيهم Persona Non Grata عملا بالمادة ٩ من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية ١٩٦١. كما ان هذا الفهم يجب ان يتطور لمفهوم العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية الدولية تجاه الحكومة الإسرائيلية بشكل عام لاحتوائها أمثال هؤلاء كوزراء في تشكيلتها.ولا ينبغي أن يبقى التعامل مع المسؤولية فردياً فقط. فعندما تتحول السياسات التي تنتهك القانون الدولي إلى سياسة حكومية ممنهجة، يصبح من المشروع سياسياً وقانونياً طرح السؤال حول مستوى وطبيعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الحكومة التي تتبنى هذه السياسات وتوفر لها الغطاء السياسي والمؤسسي.فإذا كانت الدول تقول إن الاستيطان غير قانوني، يجب أن تكون هناك كلفة للاستيطان. وإذا كانت تقول إن منشآت الأمم المتحدة مصونة، يجب أن تكون هناك عواقب عند انتهاك حرمتها. وإذا كانت تتمسك بحل الدولتين، فلا يمكن أن تستمر العلاقات وكأن السياسات التي تدمر الأساس الجغرافي والسياسي لهذا الحل لا تحمل أي ثمن.وفي حالة الأونروا تحديداً، يجب ألا يُسمح بتحويل النقاش من حل قضية اللاجئين إلى التخلص من المؤسسة التي أُنشئت بسبب استمرارها. تفكيك الأونروا لا يلغي اللاجئ الفلسطيني، ولا يلغي القرار 194، ولا يمحو الحقوق أو المسؤولية التاريخية والقانونية المرتبطة بالقضية. حلوا قضية اللاجئين حلاً عادلاً، بما يشمل العودة و/أو التعويض وفق المرجعيات الدولية، وعندها فقط يمكن الحديث عن انتهاء الحاجة إلى الأونروا.لقد آن الأوان للانتقال من دبلوماسية البيانات إلى دبلوماسية النتائج؛ من الإدانة إلى المساءلة، ومن التعبير عن القلق إلى استخدام الأدوات الدبلوماسية والقانونية والاقتصادية المتاحة. فالقانون الدولي بلا إنفاذ يتحول إلى نص، والدبلوماسية بلا أدوات ضغط تتحول إلى بيان، والسلام بلا مساءلة يبقى وعداً مؤجلاً.تفكيك الأونروا، أو نزع الشرعية عنها، أو اقتحام مقراتها، لن يُلغِ وجود اللاجئين الفلسطينيين ولن يُسقط حقوقهم. إغلاق مدرسة أو مركز تدريب، أو إزالة علم الأمم المتحدة، لا يمحو الحقيقة التاريخية والسياسية والقانونية التي أدت إلى إنشاء الوكالة. الإهانة هنا ليست للاجئين بل لمنظومة العمل الدولي: وهنا يجب إعادة ترتيب السؤال أمام المجتمع الدولي: بدلاً من البحث في كيفية استدامة الأونروا، لماذا لا يُبذل الجهد ذاته لإنهاء السبب الذي أوجد الحاجة إليها؟ ولماذا لا تتم مقاطعة الحكومة الإسرائيلية التي تضم اشخاص غير قانونيين؟
من دبلوماسية البيانات إلى الفعل الدبلوماسي... الأونروا ليست قضية اللاجئين…وبن غفير شخص غير مرغوب فيه
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)