f 𝕏 W
ميلاد في مرسم سليمان منصور.. حين تتوارث الأجيال "جمل المحامل" وتحرس الوعي من الغرق

جريدة القدس

سياسة منذ 2 سا 0 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

ميلاد في مرسم سليمان منصور.. حين تتوارث الأجيال "جمل المحامل" وتحرس الوعي من الغرق

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
تتناول المقالة صورة جمعت بين الفنان الراحل سليمان منصور وابنة المفكر الشهيد وليد دقّة، ميلاد، في مرسم الفنان، معتبرةً إياها تجسيداً لانتقال الوعي الفلسطيني عبر الأجيال. تسلط الضوء على دور كل من وليد دقّة بسجنه وفكره، وسليمان منصور بفنه، وسناء سلامة بصبرها، وميلاد بأملها في حماية الرواية الفلسطينية من النسيان والتزييف. وتستعرض المقالة لوحات منصور "جمل المحامل" و"هروب مؤقت" كرموز للصمود الفلسطيني المستمر رغم التحديات المتزايدة.
أبرز النقاط

الأحد 30 أغسطس 2026 10:25 صباحًا - بتوقيت القدس

لم تكن ميلاد وليد دقّة وهي تمدّ يدها الصغيرة إلى جدارية سليمان منصور، تعرف أنها تضع لمستها إلى جوار واحدة من آخر لمسات الفنان الذي أمضى عمره يرسم فلسطين وينشر قضيتها، ويحرس بريشته روايتها وذاكرتها.في العشرين من أيلول عام 2024، نشر القامة الفنية الكبيرة الراحل سليمان منصور صورةً من مرسمه في المتحف الفلسطيني، جمعته بسناء سلامة وابنتها ميلاد. وكتب يومها أن ميلاد ساعدته، بوجودها وموهبتها الفنية، بوضع اللمسات الأخيرة على الجدارية الكبيرة التي أنجزها للمتحف.بدت الصورة في حينها دافئة وعفوية، فنان كبير يفسح في مرسمه مكانا لطفلة بعد أشهر قليلة من استشهاد والدها، ويترك ليدها الصغيرة مساحة على عمله الكبير. لكنني وبعد رحيل سليمان منصور، أقرأها بطريقة مختلفة بل وأراها أكبر بكثير من مجرد صورة أو ذكرى؛ فقد جمعت في لحظة واحدة، ثلاثة أجيال فلسطينية لكلّ منها طريقته في حمل الحكاية وحماية معناها من الضياع.طفلة المفكر الأسير الشهيد وليد دقّة، الذي واجه السجن بالكلمة والفكرة والإرادة، وحذّر في كتاباته من محاولات صهر الوعي، تقف إلى جوار فنان أمضى عمره يعزّز الوعي بالقضية عبر ريشة واجهت الاقتلاع والتزييف والتضليل.وبين قلم وليد وريشة سليمان، جاءت يد ميلاد لتقول ان الحكاية لا تنتهي برحيل أصحابها، بل تنتقل إلى أجيال ثابتة لا تنسى، وتعرف أن ما تتلقّاه ليس إرثا للذكرى فقط، بل عهدا للمستقبل أيضاً.وفي الصورة كانت سناء سلامة حاضرة بدورها الذي لا يمكن تجاوزه، حيث أنها الأم التي حملت مع وليد حلم ميلاد حتى قبل ولادتها نطفة محررة من سجون الظلم والظلام، ثم حملت بعد استشهاده مسؤولية أن تكبر ابنتهما وهي تعرف أباها وتدرك إرثه، وتبقى قريبة من الفكرة التي عاش واستشهد من أجلها.وبين غياب الأب وحضور الأم، وصلت ميلاد إلى مرسم سليمان منصور كأن سناء كانت تسلّمها، بهدوء ووعي طرفا جديدا من الحكاية الفلسطينية التي أراد وليد أن تبقى عصيّة على النسيان.لهذا أضحت الصورة مشهدا فلسطينيا مكتمل الدلالة، ففلسطين التي كتبها وليد دقّة من داخل السجن هي ذاتها التي رسمها سليمان منصور خارجه، وبين القلم والريشة جاءت الطفولة لتقول إن الفكرة لا تبقى حيّة بالاحتفاء بأصحابها فقط، بل بقدرتها على الانتقال إلى من بعدهم، والتحوّل من إرث محفوظ إلى وعي حيّ قادر على مواصلة الطريق.في عام 1973 رسم سليمان منصور (جمل المحامل)، لم يكن حامل القدس في اللوحة شخصا بعينه، بل شعبا بأكمله حمل العهد وورّثه للأجيال المتعاقبة بكرامة وكبرياء. بدا الجسد منحنياً تحت وطأة المحامل الثقيلة، لكنّ الخطوة بقيت ممكنة، فالصمود في اللوحة لم يمثل بجسد خارق لا يتعب، بل بإرادة تعرف ثقل ما تحمل وأهميته، وترفض أن تتخلّى عنه في منتصف الطريق.لم تكن القدس وما تمثله في اللوحة والواقع حملا عابرا يمكن وضعه جانبا حين يشتد التعب، بل هوية وذاكرة وحقا وتاريخا، ولهذا ظلّ حاملها يمضي، لا لأن الطريق رحيم ومعبد بالورود ولا لأن العبء خفيف، بل لأن سقوط ما يحمله يعني سقوط كل القضية التي اؤتمن عليها.وبعد أكثر من نصف قرن ما زال أحفاد حامل القدس يتجرّعون المرار، وقد ازدادت أوجاعهم وثقلت أحمالهم حيث غزة المدمّرة، والضفة المستباحة، والمستوطنات المتمددة، والقدس المحاصرة، والمخيمات المهددة، والسجون الممتلئة، والبيوت التي بقيت مفاتيحها بعدما غابت جدرانها. ومع ذلك لم يسقط الحمل، تتبدّل الأكتاف ويغيب الحامل تلو الآخر، لكن الأمانة تظلّ تجد من يرفعها ويكمل المسير ولو تكالبت عليه قوى الشر وحلفاؤها.وفي عام 2018 رسم منصور (هروب مؤقت)، حيث لم تعد هناك أقدام تمضي على اليابسة، بل أجساد غمرها الماء حتى الأعناق، وبقيت الرؤوس خارجه تبحث عن الهواء وفسحة الأمل. لا شاطئ يظهر في اللوحة ولا نجاة سهلة تلوح في الأفق، لكنّ البقاء بالرأس فوق الماء يتحوّل بحد ذاته إلى فعل مقاومة، وإصرار على حفظ ما تمثله هذه الأجساد حتى اللحظة الأخيرة، وانتظار فرصة جديدة لمواصلة الطريق.وبين اللوحتين وما قبلهما وما بعدهما، يمتد المسار الفلسطيني نفسه، في جمل المحامل يحمل الفلسطيني وطنه بكل ما أوتي من قوة، لأنه أمانة لا مجال لأن تسقط، وفي هروب مؤقت يحفظ كينونته من الغرق، لكي يظل قادرا على استكمال المسير نحو هدفه الأسمى والأعمق.تارة يواجه ثقل الحمل وتارة أخرى ارتفاع الماء وفي الحالتين يأبى إلا أن يواصل الطريق. غير أن ما سمّاه سليمان منصور هروبا مؤقتا قد طال، فحتى الذين امتلكوا أطواق النجاة تآمر كثيرون منهم أو أشاحوا بوجوههم. طال اللجوء، وتكرّر النزوح، واتسعت رقعة الخيام، وأبيد الأطفال والرضّع، وسرقت الأرض، واستوطنها الغرباء، حتى بلغ الفلسطيني ما لم يكن حاضرا في أسوأ التوقعات والكوابيس.ومع ذلك بقيت الرؤوس فوق الماء لا لأنها لا تختنق، بل لأنها تدرك أن النجاة تبدأ في كثير من الأحيان بمجرد الإصرار على التنفس.كان وليد دقّة يدرك أن الاحتلال لا يكتفي باعتقال الجسد، بل يحاول إعادة تشكيل وعي صاحبه وصهره، فيما أدرك سليمان منصور أن محو الشعوب يبدأ بإخراجها من الصورة والذاكرة، وانتزاع رموزها وتراثها وإرثها من وجدان الأجيال. لذلك واجه الأول بالقلم والفكرة، وواجه الثاني باللون والريشة، وجاءت ميلاد لتؤكد أن الوعي الذي أراد الاحتلال تطويعه وكيّه وجد طريقه إلى جيل جديد.لم يرسم سليمان جراح فلسطين فقط، رسم التراث والأرض والزيتون والبرتقال والمرأة بثوبها، والقرية بأهلها، والفلاح بصموده كما رسم السجن والاستيطان والاقتلاع، وأصر أن لا يحصر الفلسطيني بصورة الضحية، بل حمله إلى العالم كقضية وبوصفه صاحب أرض وذاكرة وهوية، يمتلك إرادة الحياة في ظل كل ما يعمّمه الاحتلال من موت.هناك في مرسم سليمان منصور، اجتمعت أدوات مختلفة لحماية الحكاية: قلم المفكر وإرثه وريشة الفنان وأثره، وصبر الأم وعهدها، ويد الطفلة وأملها. وبالتأكيد لم يكن اللقاء مرتبا ليكون وداعا ولا شاهدا ولا حتى مقالا، لكنه غدا بعد الرحيل صورة تختصر فكرة البقاء الفلسطيني حيث يغيب الأشخاص، لكن المعنى يعبر من ذاكرة إلى أخرى ومن جيل إلى جيل.نعم، استشهد وليد دقّة ولا يزال الاحتلال يحتجز جثمانه، لكنه لم يستطع قتل فكره. ورحل سليمان منصور، وبقيت لوحاته وإرثه شاهدين على فلسطين التي أرادها حيّة في الوعي والذاكرة. أما ميلاد، فهي صورة الأجيال التي تتوارث (جمل المحامل) وتحمله بثبات، وترفع رأسها فوق الماء وتحرس وعيها من الغرق.

ميلاد في مرسم سليمان منصور.. حين تتوارث الأجيال "جمل المحامل" وتحرس الوعي من الغرق

د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)