الأحد 30 أغسطس 2026 10:28 صباحًا - بتوقيت القدس
من المهم، بل من الأولويات اليوم، أن نضع في صدارة خطابنا وممارستنا شعار "وحدة فتح ووحدة الوطن"، وأن نؤكد أن "فتح" الموحدة ركيزة أساسية للمشروع الوطني التحرري، وأن الوحدة الداخلية والشراكة الوطنية شرطان لمواجهة الاحتلال وحماية القرار الوطني الفلسطيني المستقل، وأن الشعب هو مصدر السلطات والشرعية، وأن المشروع التحرري لا يجوز أن يتحول إلى برنامج إدارة سكانية تحت الاحتلال.فاستعادة وحدة "فتح" وقوتها ودورها ليست شأناً تنظيمياً داخلياً فحسب، بل مسألة تتصل بمستقبل الحركة الوطنية، في مرحلة يواجه فيها شعبنا مخاطر وجودية، من تصاعد وتوسع الاستعمار الاستيطاني والضم والتهجير واستمرار العدوان، إلى محاولات تفكيك الجغرافيا والمشروع الوطني التحرري وإعادة تعريف وظيفة المؤسسات الفلسطينية، بما يبدأ من غزة ولا ينتهي عندها.لكن الاتفاق على ضرورة الوحدة يفتح السؤال الأصعب أمامنا، كيف نبني هذه الوحدة، وبأية أدوات؟ فالوحدة لا تتحقق بتكرار الدعوة إليها، وإنما ببناء الثقة داخل الحركة ومن حولها، واحترام نظامها الداخلي، وتوسيع المشاركة، وإتاحة المساحة المطلوبة للرأي الآخر، وإعادة الاعتبار للانتخابات والمؤسسات، وإنهاء الإقصاء والتهميش، بحيث يشعر أبن "فتح" بأن له مكاناً وصوتاً ودوراً، لا أن مشاركته مرتبطة بقربه من هذا المسؤول أو ذاك، أو وفق قاعدة الولاء بدلاً من الانتماء، أو باعتباره جزءاً من جمهور يُستدعى فقط عند الحاجة.ومن هنا، لا يمكن الحديث عن استنهاض "فتح" من دون مراجعة تجربة المؤتمر الثامن وما سبق انعقاده، ومراجعة ما تم من اتفاقيات سياسية مع الاحتلال، ومكانة "فتح" وعلاقتها بالآخرين ومع السلطة الوطنية ومنظمة التحرير، ومن دون وضوح في الرؤية والبرنامج وتغيير الأدوات.كان ينبغي للجنة المركزية السابقة واللجنة التحضيرية للمؤتمر الثامن أن تتحملا المسؤولية الجماعية عن الطريقة التي جرى بها تحديد مدخلات المؤتمر وعضويته، وأن تقدما نقداً ذاتياً حول ذلك. فقد رافقت تلك العملية، في تقديري وفي تقدير قطاع واسع من أبناء الحركة، تجاوزات للنظام الداخلي، واستبعاد عدد من المناضلين والكوادر من عضوية المؤتمر، بعضهم دون قرارات تنظيمية بحقهم، وبعضهم لاعتبارات شخصية ارتبطت بتوازنات الانتخابات داخل المؤتمر وما نتج عنها، في مقابل توسيع مشاركة موظفين ومحسوبين وأشخاص جرى اختيارهم بآليات لم تكن واضحة أو مقنعة تنظيمياً.ولم تكن المشكلة في أسماء المشاركين بالمؤتمر بحد ذاتها، وإنما في المنهج الذي حدد من يشارك ومن يُستبعد وهو أمر أقر به عدد من اعضاء المركزية في جلسات جانبية.وكانت النتيجة أن المؤتمر الثامن، الذي كان يفترض أن يشكل محطة لمراجعة تجربة الحركة وبرنامجها وأدوات عملها وصولاً إلى رؤية سياسية وتنظيمية واضحة، لم يشهد النقاش السياسي والتنظيمي الذي تستحقه مرحلة بهذه الخطورة، ولم يتحول إلى مساحة حقيقية للوقوف أمام الأسئلة الكبرى المتعلقة بدور "فتح" وهويتها ومستقبل المشروع الوطني التحرري والنظام السياسي الفلسطيني ومسار المرحلة السابقة منذ أوسلو.واليوم نجد أنفسنا أمام اختبار جديد، حيث تجري بدعوة من اللجنة المركزية الجديدة، لقاءات في المناطق لعقد المجالس الحركية العامة التي نص عليها النظام الداخلي، وهي فكرة أرى ضرورة تطويرها وتحويلها إلى مساحة دائمة للحوار والمشاركة والمساءلة داخل الحركة، لا إلى مجالس موسمية. كما يجري الحديث عن "مجمعات انتخابية" في إطار الاستعداد للانتخابات وتشكيل قائمة "فتح".وهنا يعود السؤال نفسه: من يحدد عضوية هذه المجالس والمجمعات، وعلى أي أساس وأي منهج، رغم الحديث عن وجود معايير ؟فإذا استمرت الآليات التي حكمت التحضير للمؤتمر الثامن، واستمر تجاهل كوادر وأعضاء جرى تهميشهم أو استبعادهم دون قرارات تنظيمية، خاصة من قادة الانتفاضة الأولى وما قبلها، وإذا جرى اعتماد هيئات لم تجدد شرعيتها بالانتخابات، بما في ذلك أقاليم ما زال بعضها يعمل وفق مفهوم لجان تسيير الأعمال، فإننا لا نكون أمام مسار جديد لاستنهاض الحركة، بل أمام إعادة إنتاج للمشكلة نفسها بأسماء وأطر مختلفة.وهذا يكتسب أهمية مضاعفة إذا كانت هذه المجالس ستشارك في اختيار مرشحي "فتح" للانتخابات المقبلة.فالاختيار الانتخابي لا ينبغي أن يتحول إلى عملية مغلقة تعيد إنتاج التوازنات التنظيمية التي ترتبت في المؤتمر، بل يجب أن يكون فرصة لاستعادة ثقة أبناء الحركة، وإدخال طاقات وأجيال جديدة، والاستفادة من خبرة مناضلين وكوادر جرى إبعادهم أو تهميشهم، وإعطاء القواعد الحركية دوراً حقيقياً في تحديد من يمثلها.ولا أعتقد أن وحدة "فتح" تعني إلغاء الاختلاف داخلها. فـ"فتح" تاريخياً لم تكن تنظيماً أحادي الفكر ولا مشروعاً سلطوياً، بل إطاراً وطنياً ثورياً واسعاً جمع مدارس واجتهادات وتجارب مختلفة تحت سقف المشروع الوطني التحرري، من أجل إنجاز حقوق شعبنا غير القابلة للتصرف.ولذلك فإن استعادة وحدة "فتح" لا تكون بتضييق مساحة الاختلاف، بل بالتشاور مع الجميع دون استبعاد أحد، بما يؤدي إلى استعادة دور الحركة وتطويره في قيادة المشروع التحرري إلى جانب مكونات الحركة الوطنية الأخرى في منظمة التحرير، التي تحتاج جميعها إلى الاستنهاض وإلى عقد وطني متجدد يحدد الخيارات ومكانة ودور المنظمة الفاعل والعلاقة مع شعبنا وبين أطرافها.وهنا تقع مسؤولية خاصة على القيادة الجديدة للحركة. فإذا أردنا بالفعل فتح صفحة مختلفة بعد المؤتمر الثامن، فإن المطلوب ألا نستمر في إدارة الحياة الداخلية بالأدوات ذاتها ثم ننتظر نتائج مختلفة.ويمكن البدء بخطوات واضحة تتمثل في المراجعة والنقد، وإعادة الاعتبار للنظام الداخلي ولأعراف الحركة ولهيئاتها في الشتات، وإجراء الانتخابات في الأقاليم والأطر التي تحتاج إلى تجديد شرعيتها، والتراجع عن حالات الاستبعاد والتهميش التي لم تستند إلى قرارات تنظيمية، وفتح حوار داخلي واسع، وتوسيع المشاركة في المجالس الحركية العامة، ووضع معايير شفافة لاختيار المرشحين بعيداً عن المحاصصة والولاءات الشخصية.إن "فتح" بحاجة إلى كل أبنائها، وإلى استعادة ثقتهم قبل مطالبتهم بالالتفاف حولها.ولهذا، فإنني أرى في دعوة الأخ جبريل الرجوب إلى "وحدة فتح ووحدة الوطن" مدخلاً صحيحاً، لكن صدقية هذا الشعار ستقاس بقدرتنا جميعاً، وفي المقدمة قيادة الحركة، على تحويله من خطاب إلى ممارسة فعلية.وهذا يجب أن يشمل أيضاً أبناء الحركة الذين جرى تهميشهم، بمن فيهم من دفعتهم حالة الإقصاء إلى التفكير في خيارات وتشكيل قوائم انتخابية. فمعالجة ذلك لا تكون بمزيد من الإقصاء أو الاتهام، وإنما بالسؤال أولاً عن الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعت إليها، وبإعادة فتح أبواب المشاركة أمام الجميع على أسس واضحة وعادلة.فالوحدة لا تُفرض بقرار، ولا تُصنع بإقصاء المختلفين، ولا تتحقق بجمع الناس خلف خيارات أو عناوين جاهزة. الوحدة تُبنى بالحوار وبالمشاركة والثقة والشرعية التنظيمية الحقيقية، واحترام التعددية، واستيعاب أبناء الحركة، وإعادة بناء الثقة بين القيادة والقاعدة والشعب وتكريس أسس الوحدة الوطنية الواسعة مع كافة مكونات شعبنا ومجتمعه المدني والمستقلين الوطنيين، وبالنظر بجدية لكافة المقترحات والوثائق المقدمة للنقاش خاصة من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في موضوع الانتخابات المقررة، كما وغيرها من القوى الوطنية، على قاعدة أن الوحدة هي قانون الانتصار، كما كان يؤكد دائماً أخانا القائد مروان البرغوثي من زنازين عزله التي حتماً ستُكسر أقفالها، فلا غُرف التحقيق باقية ولا زرد السلاسل.وإذا كانت وحدة "فتح" ضرورة وطنية اليوم، فإن أول شروطها ألا نعيد بناء الحركة بالأدوات نفسها التي ساهمت في إضعافها.* عضو المجلس الاستشاري لحركة "فتح".
وحدة "فتح".. هل نبنيها بالأدوات التي أضعفتها؟
د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)