السّبت 29 أغسطس 2026 10:15 صباحًا - بتوقيت القدس
لم يعد السؤال الأكثر أهمية في عالم الأعمال اليوم هو: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ فهذا السؤال حُسم جزء كبير منه، ولم يعد يمر يوم تقريبا دون أن نكتشف قدرة جديدة للآلة على القراءة والتحليل والكتابة والتنبؤ وإنجاز المهام التي كانت تحتاج في السابق إلى ساعات طويلة من العمل البشري لكن السؤال الذي الأهم الان: ماذا سيبقى للإنسان عندما يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على القيام بالكثير من الأعمال التي اعتادنا القيام بها؟هذا السؤال يصبح أكثر أهمية عندما نضعه في سياق القيادة والإدارة، فسنوات طويلة من العمل الإداري جعلت المدير مركزاً للكثير من التفاصيل؛ يقرأ، يحلل، يتابع، يراجع الخطط، يشارك في عشرات القرارات اليومية، ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذه المساحة، بدأت الكثير من هذه الوظائف تنتقل تدريجياً من الإنسان إلى الآلة، وهنا قد يبدو للوهلة الأولى أن الذكاء الاصطناعي يهدد موقع المدير، لكنني أعتقد أن الصورة أكثر تعقيداً من ذلك؛ فالذكاء الاصطناعي لا يلغي الحاجة إلى القيادة، وإنما يعيد تعريفها ربما كباقي المهن.فالآلة تستطيع أن تمنح القائد معلومات أكثر، وفي وقت أقل، وأن تعرض أمامه سيناريوهات متعددة، وأن تكشف له أنماطاً ربما لم يكن قادرًا على رؤيتها بالسرعة نفسها، لكنها لا تستطيع أن تختار بالضرورة ما الذي ينبغي أن تفعله المؤسسة عندما تتعارض الأرقام مع القيم، أو عندما يكون القرار الصحيح اقتصادياً لكنه غير مناسب اجتماعياً، أو عندما تكون المعلومات المتاحة صحيحة ولكن السياق الذي ستُستخدم فيه مختلفًا، وهنا يظهر الفرق بين تنفيذ المهمة واتخاذ القرار؛ فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون شريكاً حقيقياً في الأولى، لكنه لا ينبغي أن يصبح صاحب الكلمة الأخيرة في الثانية.ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للمؤسسات في هذه المرحلة ليس أن تستبدل المدير بالذكاء الاصطناعي، وإنما أن تجعل المدير نفسه يتنازل، خطوة بعد أخرى، عن دوره في التفكير. تبدأ القصة بتفويض مهمة بسيطة، ثم تحليل البيانات، ثم إعداد الخيارات، ثم اختيار الخيار الأفضل، وبعد ذلك يصبح من السهل جدًا أن يتحول الإنسان من صاحب قرار إلى مجرد مصادق على قرار أنتجته الآلة، وفي هذه اللحظة تحديداً لا تكون المؤسسة قد أصبحت أكثر ذكاءً، بل تكون قد بدأت تفقد واحدة من أهم وظائف القيادة: الحكم على القرار وتحمل مسؤوليته.لذلك أعتقد أن القيادة في عصر الذكاء الاصطناعي ستحتاج إلى مهارات مختلفة عن تلك التي عرفناها خلال العقود الماضية، لن يكون القائد الأكثر قيمة هو الذي يعرف أكبر عدد من التفاصيل، لأن الآلة ستتفوق عليه في استدعاء المعلومات ومعالجتها. ولن يكون بالضرورة من يستطيع إنجاز أكبر عدد من المهام بنفسه، لأن الذكاء الاصطناعي سيمنحه إمكانية تفويض جزء كبير منها، القائد الأكثر قيمة سيكون هو القادر على معرفة ما الذي يمكن تفويضه، وما الذي يحتاج إلى إشراف بشري، وما الذي يجب أن يبقى خارج نطاق التفويض اصلا.وهذا يقودنا إلى مفهوم أوسع للقيادة، فالقائد في عصر الذكاء الاصطناعي ليس مطلوباً منه أن ينافس الآلة في السرعة، ولا أن يحاول أن يكون أكثر قدرة منها في تحليل ملايين البيانات، فدوره الحقيقي أن يعرف ماذا يسأل، ومتى يثق، ومتى يشك، ومتى يتدخل، أي أن يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع قدرته على الرؤية، لا لاستبدال رؤيته، وأن يحول التكنولوجيا من مجرد أداة لرفع الإنتاجية إلى أداة لبناء قرارات أفضل.وهنا أرى فرصة مهمة للمؤسسات العربية والفلسطينية تحديداً، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يعوض جزءً من محدودية الموارد، ويمنح المؤسسات الصغيرة والناشئة قدرات كانت في السابق حكراً على المؤسسات التي تمتلك فرقاً كبيرة من المحللين والخبراء، فمدير واحد يستطيع اليوم، بمساعدة الأدوات المناسبة، أن يصل إلى مستوى من التحليل وإعداد السيناريوهات كان يحتاج في السابق إلى فريق كامل، وهذه ليست مجرد زيادة في الإنتاجية؛ إنها فرصة لإعادة توزيع القدرة داخل المؤسسة.لكن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب ألا ننظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره موظفاً جديدا يمكن أن نلقي عليه كل ما لا نريد القيام به، فنحن أمام تحول أعمق من ذلك، فالذكاء الاصطناعي يعيد رسم الحدود بين ما تقوم به الآلة وما يقوم به الإنسان، وبين المعلومات والمعرفة، وبين التوصية والقرار، وكلما أصبحت الآلة أكثر قدرة على تقديم الإجابات، أصبحت قيمة الإنسان مرتبطة أكثر بقدرته على طرح السؤال الصحيح، وفهم السياق، وربط المصالح، وتقدير المخاطر، وتحمل مسؤولية النتيجة.وربما تكون المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، الذي يخشى البعض أن ينتزع من الإنسان دوره، قد يدفعنا في الحقيقة إلى العودة إلى جوهر هذا الدور، فالمدير لم يكن موجودا في المؤسسة لأنه يستطيع كتابة تقرير أو جمع الأرقام، وإنما لأنه يستطيع أن يرى الصورة الأكبر، وأن يحدد الاتجاه، وأن يتخذ قراراً في لحظة لا تكون فيها كل المعلومات متاحة، وأن يقود البشر عندما تكون الظروف غير واضحة.لهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يشغل المؤسسات اليوم ليس: كيف نستبدل أكبر قدر ممكن من العمل البشري بالذكاء الاصطناعي؟بل: كيف نعيد توزيع العمل بين الإنسان والآلة بحيث يصبح الإنسان أكثر قدرة على القيام بما لا تستطيع الآلة القيام به؟ربما لن يكون القائد الناجح في المستقبل هو الذي يعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر من غيره، وإنما الذي يعرف كيف يستخدمه دون أن يسمح له بأن ينتزع منه البوصلة،فالآلة تستطيع أن تقترح الطريق، وأن تحسب المسافة، وأن تتوقع العقبات، لكنها لا تستطيع أن تقرر وحدها إلى أين نريد أن نذهب.وهنا، في رأيي، ستبقى قيمة القيادة.
الذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى قائد جديد
صدقي أبو ضهير: باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي
وليد العوض – عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطين
د. منى أبو حمدية باحثة في التراث والآثار
التعليقات (0)