f 𝕏 W
39 عاماً على اغتيال ناجي العلي
: حنظلة.. من الرصاصة إلى الترويض

جريدة القدس

سياسة منذ 14 سا 0 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

39 عاماً على اغتيال ناجي العلي : حنظلة.. من الرصاصة إلى الترويض

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
تحل الذكرى التاسعة والثلاثون لاغتيال رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، الذي ترك بصمة عميقة من خلال شخصية "حنظلة". تحولت هذه الشخصية، التي كانت رمزاً للمقاومة والرفض، إلى سلعة استهلاكية في السوق، مما أفرغها من محتواها السياسي والثوري الأصلي. ويسلط المقال الضوء على هذه الظاهرة، مقارناً إياها برموز عالمية أخرى تعرضت لعملية مشابهة من "الترويض" الثقافي والسياسي.
أبرز النقاط

السّبت 29 أغسطس 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس

في كل عام، مع استعادة ناجي العلي في ذكرى رحيله، نقف وجهاً لوجه أمام واحدة من أكثر الأيقونات الثقافية والبصرية عمقاً وتأثيراً. قبل تسعة وثلاثين عاماً، في 22 تموز 1987 أطلق مسلّح النار على رسّام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، وبعد أسابيع (في 29 آب) صمتت ريشته إلى الأبد. لكن القاتل الذي اعتقد أنه أخرس خطوط ناجي الحادّة، لم يكن يعلم أن الرمز الذي خلّقه العلي كان قد أفلت من عقال الجسد ليأخذ مكانه الثابت في الوجدان الإنساني؛ حنظلة، الطفل ذا السنوات العشر، حافي القدمين، مرقّع الثياب، الذي أدار ظهره للعالم وشبك يديه خلف ظهره، مُعلناً بدء إضراب عن الكلام والمساومة.برز حنظلة كرمز لموقف أخلاقي متكامل في قالب بصري متقشّف. فكانت إدارته لظهره إعلاناً واضحاً أطلقه ناجي العلي بالتزامن مع إرهاصات الحلول والتسويات السياسية، ليمثل الموقف الثابت الذي يرفض التدجين، ولهذا بقي في العاشرة من عمره، وهو العمر الذي خرج فيه ناجي نفسه من بلده لاجئاً، وهو العمر الذي يضمن بأن يبقى الوعي طازجاً، حادّاً، وطفولياً في نقائه، غير قابل للتبرير البراغماتي لأية تنازلات.والوعي عند حنظلة هو وعي طبقي ومعرفي بامتياز، هو ابن المخيم المطحون، من خلاله أعاد ناجي تعريف الوعي، وعي المعاناة والألم اليومي. أما تشبيك يديه خلف ظهره فهو تعبير عن الرفض القاطع للمشاركة في التزييف وتبرير التنازلات، عبر الخطابات وبيانات الشجب والمفاوضات العبثية. إنه تعبير عن العمل الحقيقي القائم على المواجهة المباشرة والانحياز التام للفقراء.وكما يحدث عادة مع الرموز المشاكسة، فإن الماكينة الثقافية والسياسية المُهادنة لا تستسلم بغياب المبدع. عندما عجز النظام السياسي الرأسمالي عن إسكات حنظلة باغتيال ناجي العلي جسدياً، لجأ إلى استراتيجية بديلة: اغتيال حنظلة نفسه.لقد تحّول حنظلة -عبر آليات السوق- من موقف سياسي متمرّد وحادّ إلى سلعة استهلاكية، وبتنا نراه مطبوعاً على القمصان والقلائد الفضية، وحقائب الظهر والأكواب الفاخرة، وتُباع في المتاجر السياحية. الشخصية التي وُلدت حافية وعارية لتفضح عورات النظام الرسمي العربي والاحتلال، تحوّلت إلى اكسسوار أنيق تتزيّن به النخب الفارهة.هذا التمويه الجمالي قام بفصل حنظلة عن سياقه الأصلي، لوحة ناجي العلي كانت كُلًا لا يتجزأ، حيث يقف حنظلة مراقباً الخيانة السياسية والقمع والجوع. أما اليوم، فيُنتزع الطفل من سياقه ويُوضع وحيداً على جدار أو خلفية هاتف، ليتلاشى الغضب الكامن وراء إدارته لظهره، ويتحوّل إلى مجرد شعار عاطفي يُثير الحنين في أحسن الأحوال، بدلاً من أن يثير الغضب والرفض. والمفارقة المريرة أن المؤسسات والنخب التي كان ناجي يجلدها بريشته أصبحت اليوم ترفع صورة حنظلة في مكاتبها وتطبعه على أوراق مؤتمراتها، بعد أن نزعت منه صاعق التفجير وحوّلته إلى إرث وطني فارغ.مرايا عالمية.. مأساة مشتركةالعديد من الرموز العالمية عاشت هذه المحنة الثقافية، واشتغلت عليها آليات النظام الثقافي العالمي. نتذكّر -مثلا- الطفلة (مافالدا) للرسام الأرجنتيني كينو، تلك الطفلة المتمردة التي برزت خلال ستينيات القرن الماضي، لتعرّي بعينيها البريئتين وأسئلتها وحشية الديكتاتوريات العسكرية في أمريكا اللاتينية، تماماً كحنظلة، جُمّدت مافالدا في سن الطفولة لتبقى درعا أخلاقيا نقيا، ومثله أيضا، انتهت اليوم كأيقونة سياحية تُباع في شوارع بيونس آيرس بعد تفريغها من حمولتها السياسية المناهضة للإمبريالية. والمقاربة ذاتها تُحيلنا إلى صورة تشي جيفارا الشهيرة بعدسة (ألبرتو كوردا)، الرجل الذي مات مُحاربا للنظام الرأسمالي العالمي، حوّلته ذات الماكينة الرأسمالية إلى أكثر السلع درّا للأرباح، لتُطبع صورته على قمصان نجوم الروك وعارضات الأزياء، محوّلة الموقف الثوري الصلب إلى موضة استهلاكية تمنح المشتري شعورا زائفا بالرضا والتميّز.إن الهدف من عملية تفريغ حنظلة وسَلْعنته هو امتصاص شحنته الثورية وتقديمه كشكل لمقاومة استهلاكية آمنة، لا تزعج ضمائر ولا تهدد مصالح، يُراد لحنظلة أن يصبح تاريخاً وذكرى، بينما واقعه -الذي أنتجه في بدايات السبعينيات- يصرخ فينا كل يوم.في ذكرى اغتيال ناجي العلي، نحتاج إلى إعادة الاعتبار لحنظلة، لموقفه ومحمولاته ودلالاته ودوره؛ إن استعادة حنظلة تعني استعادة وعي المخيم، ونقد الذات والموقف، ورفض الدخول في سوق المساومات، فما زالت لوحات ناجي العلي صالحة لتوصيف واقعنا العربي بما فيه من فساد وتشويه واستسلام، أكثر من أي وقت مضى، وستبقى لوحاته تبدو وكأنها رُسمت بالأمس، لأن الأسباب التي أدار حنظلة ظهره من أجلها لا تزال قائمة، ولأن وجهه لن يدور لنا إلا إذا عدنا نحن إلى الفعل الحقيقي.

39 عاماً على اغتيال ناجي العلي : حنظلة.. من الرصاصة إلى الترويض

السفير سون تشن مدير مكتب الصين لدى فلسطين

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)