في ظل الاستعداد للانتخابات الإسرائيلية، تبدو الصورة أكثر وضوحاً قبل الدخول في مرحلة الدعاية الانتخابية المكثفة، بما ستشهده من تحالفات وتقاطعات وتناقضات وحملات تحريض، ومحاولات من كل طرف لإبراز مواقفه وتقديم نفسه باعتباره البديل الأفضل. وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة لأنها قد تكشف حجم الشرخ داخل المعسكر الإسرائيلي، ليس فقط بين نتنياهو ومعسكره من جهة وما يسمى معسكر التغيير من جهة أخرى، وإنما داخل كل معسكر أيضاً، وفي طبيعة التحالفات التي يمكن أن تتشكل بعد الانتخابات.
ويقدم معسكر التغيير نفسه باعتباره المعسكر الذي يسعى إلى إنهاء حكم نتنياهو واستعادة الديمقراطية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، لكنه لا يبدو متجانساً سياسياً أو أيديولوجياً. فالخلافات حول الشخصيات والأحزاب التي يمكن أن تشكل الحكومة المقبلة تكشف منذ الآن حدود هذا التماسك، وتطرح سؤالاً أكبر من مجرد من سيحل محل نتنياهو: أي إسرائيل يريد هذا المعسكر أن يبني بعده؟
وفي خضم حملة التحريض التي يقودها نتنياهو واليمين ضد يائير غولان وحزب الديمقراطيين، تظهر هذه التناقضات بصورة أكثر وضوحاً. فالحملة لا تستهدف غولان باعتباره خصماً سياسياً لنتنياهو فحسب، وإنما تحاول وضعه وحزبه خارج دائرة الشرعية السياسية، عبر تقديمهما باعتبارهما ممثلين لـ "اليسار المتطرف" وغير المقبولين كشركاء في الحكومة المقبلة.
لكن غولان لا يفصل في مواقفه السياسية بين خلفيته العسكرية والأمنية وبين رؤيته للحل السياسي. فهو يحاول الجمع بين القوة العسكرية والأمنية والحاجة إلى حل سياسي للصراع، وهي مقاربة تنتمي إلى تقليد اليسار الصهيوني، وخصوصاً التيار الذي مثله تاريخياً حزب العمل: الاعتراف بأهمية الأمن وقوة الجيش، مع الاعتقاد بأن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع إنتاج حل دائم للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني.
ومن هنا تبدو الحملة التي يشنها نتنياهو واليمين على غولان سياسية أكثر منها أمنية. فالمشكلة بالنسبة إليهم ليست فقط في مواقفه السياسية، وإنما في احتمال أن يصبح شخص ذو خلفية أمنية موثوقة ومرشح من اليسار الصهيوني جزءاً أساسياً من حكومة يقودها معسكر أيزنكوت. ولذلك يجري التركيز على تصريحاته القديمة وانتزاعها من سياقاتها، وتقديمها باعتبارها دليلاً على التطرف وكراهية الجيش وعدم الصهيونية.
لكن ما تكشفه هذه الحملة يتجاوز نتنياهو واليمين، ويظهر حجم التناقض داخل معسكر التغيير نفسه. فغولان وحزب الديمقراطيين ينتميان بوضوح إلى اليسار الصهيوني، وهو ما يجعلهما مختلفين سياسياً وفكرياً عن عدد من مكونات المعسكر الذي يفترض أن يشكل معه الحكومة المقبلة.
التعليقات (0)