يمثل اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي مجمع معهد قلنديا للتدريب المهني التابع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في كفر عقب، وإخلاء موظفيه والشروع في إجراءات للسيطرة عليه وهدم منشآته، محطة جديدة في مسار متصاعد يستهدف وجود الوكالة في القدس. ولم تعد القضية مرتبطة بإغلاق مؤسسة أو تعطيل خدمة، بل باتت تتصل بمحاولة إعادة تشكيل الحضور الأممي في المدينة وفرض واقع سياسي ومؤسسي جديد على الأرض. وقد أكدت مصادر فلسطينية احتجاز نحو 40 موظفًا ومتواجدًا داخل المجمع والتحقيق معهم خلال العملية، فيما أعلنت إسرائيل أن الإخلاء جاء بتوجيه حكومي مباشر.
من التضييق إلى السيطرة الميدانية التصعيد الحالي يبدو جزءًا من مسار تراكمي. فخلال العام الجاري تعرض معهد قلنديا لاقتحامات متكررة، وقالت «الأونروا» إن المنشأة، التي كانت آخر منشآتها العاملة في القدس، تعرضت لخمس عمليات اقتحام منذ بداية 2026. وفي موازاة ذلك، أُغلق المقر الرئيسي للوكالة في الشيخ جراح، كما طالت الإجراءات مدارس وعيادات تابعة لها في المدينة.
هذا التسلسل يكشف تحولًا في طبيعة السياسة الإسرائيلية من محاولة تقييد نشاط الوكالة قانونيًا وإداريًا، إلى تفكيك بنيتها المادية على الأرض. وبمعنى آخر، لا يجري التعامل مع «الأونروا» باعتبارها مؤسسة تقدم خدمات للاجئين فحسب، وإنما باعتبارها حضورًا دوليًا فلسطيني الصلة تسعى إسرائيل إلى إنهائه في القدس.
لماذا القدس تحديدًا؟ تكمن أهمية القدس في أنها ليست مجرد إحدى مناطق عمل الوكالة، بل مدينة تقع في قلب الصراع السياسي والقانوني الفلسطيني الإسرائيلي. وبالتالي فإن إنهاء وجود «الأونروا» فيها يحمل قيمة رمزية وسياسية كبيرة.
إسرائيل تسعى منذ سنوات إلى تعزيز سيطرتها على منطقة شرقي القدس ودمج مؤسساتها ضمن منظومة السيطرة الإسرائيلية. وفي هذا السياق، يشكل استمرار مؤسسة أممية تقدم خدمات للاجئين وتعمل ضمن تفويض صادر عن الأمم المتحدة عنصرًا يصعب دمجه في هذه الرؤية. ولذلك يمكن فهم التضييق على الوكالة كجزء من محاولة تقليص كل حضور مؤسسي لا يخضع للمنظومة الإسرائيلية في المدينة.
كما أن إخراج «الأونروا» من القدس يبعث برسالة تتجاوز المدينة نفسها: إذا أمكن فرض إنهاء عمل الوكالة في القدس، فإن ذلك يمكن أن يشكل نموذجًا لإضعاف وجودها في مناطق أخرى، أو على الأقل تقليص قدرتها على أداء وظائفها بصورة مستقلة.
التعليقات (0)