f 𝕏 W
سوسيولوجيا اقتصاد البقاء وتشكّل السوق الموازي وديناميكيات التدبير في مخيمات غزة

وكالة سوا

اقتصاد منذ 26 دق 0 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

سوسيولوجيا اقتصاد البقاء وتشكّل السوق الموازي وديناميكيات التدبير في مخيمات غزة

يمثل الانتقال القسري للإقامة في الخيمة انقطاعاً بنيوياً لم يقتصر على الصعيد النمطي للسكن والروابط الاجتماعية فحسب، بل امتد ليعيد هيكلة النظام الاقتصادي

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
تتناول المقالة ظاهرة "اقتصاد البقاء" التي نشأت في مخيمات غزة نتيجة للنزوح القسري وانهيار المؤسسات الرسمية. يعتمد هذا الاقتصاد على آليات المقايضة والتبادل العيني، وظهور أسواق موازية، وتغير الأدوار الاقتصادية داخل الأسر، بما في ذلك بروز دور المرأة وانخراط الأطفال في العمل. تشير المقالة إلى أن هذا الاقتصاد، رغم توفيره للحد الأدنى من الاستمرار، يحمل مخاطر تعميق الاتكالية وتشويه البنية الاقتصادية، وتدعو إلى تدخلات استراتيجية تتجاوز الحلول الإغاثية التقليدية.
أبرز النقاط

يمثل الانتقال القسري للإقامة في الخيمة انقطاعاً بنيوياً لم يقتصر على الصعيد النمطي للسكن والروابط الاجتماعية فحسب، بل امتد ليعيد هيكلة النظام الاقتصادي برمته داخل قطاع غزة . ومع انهيار المؤسسات المالية الرسمية، وشبه توقف العمل المأجور، وتدمير البنية التحتية للإنتاج والتجارة، أفرزت بيئة الخيام ما يمكن تسميته بـاقتصاد البقاء؛ وهو نظام اقتصادي طارئ وموازٍ ينمو في المساحات المعتمة بين العوز الشديد وضغوط الحاجة اليومية للبقاء على قيد الحياة. لقد تحول حيز مخيم النزوح من مجرد تجمع سكني للنازحين إلى بيئة تبادلية معقدة تُعيد تعريف مفاهيم القيمة والسلعة والعمل، ففي ظل الشح الحاد في السيولة النقدية الورقية وتوقف سلاسل التوريد التقليدية، ظهرت آليات المقايضة التلقائية كشبكة أمان مجتمعية بديلة؛ حيث يجري تبادل المواد الغذائية الإغاثية الأساسية مقابل خدمات صيانة الخيام، وأحياناً مبادلة الحطب والماء بدواء مفقود أو شحن للبطاريات عبر الألواح الشمسية الفردية، و لم تعد العملة الورقية هي المقياس الوحيد المعتمد للتداول، بل حلّت محلها القدرة التشغيلية المباشرة والمقتنيات الأساسية التي تلبي الاحتياجات البيولوجية المباشرة؛ إذ أصبح بعض العاملين في مجال الإغاثة يتقاضون "كابونة" مقابل عملهم، ومثلهم المنقذون على شواطئ البحر، أو العاملون في الحراسات وخدمات "التكايا"، وهكذا شاع نمط العمل مقابل كابونة أو سلة غذائية، بينما قدم بعض النازحين جزءاً من المساعدات لمن يقدّم لهم خدمة ما تشجيعاً وتحفيزاً، حتى تنامى التبادل بالمساعدات العينية لتغطية الحاجات الأساسية، لينتشر هذا النمط الاقتصادي بوضوح في المخيمات. ولم يتوقف هذا التبدل عند حدود المقايضة العينية، بل امتد ليتشكل بالتوازي مع "اقتصاد العمولات والسيولة الرقمية"؛ إذ أدى شح النقد بدايةً إلى ظهور طبقة طارئة من تجار السيولة والمحافظ الإلكترونية الذين فرضوا اقتطاعات مئوية مرتفعة للغاية لقاء تحويل المبالغ الرقمية إلى نقود ورقية، ما أدى إلى تآكل متزايد في القدرة الشرائية الشحيحة أصلًا لدى النازحين، ورغم أن ظاهرة اقتطاع العمولة مقابل السيولة قد انحسرت لاحقاً بفعل التحول إلى المعاملات الإلكترونية والشراء والمواصلات عبر المحافظ -وهو ما قلل الحاجة للاستعانة بالسيولة التي كانت تدار بمزاج المرابين وتُحمّل المشتري عمولات بطرق ملتفة- إلا أن الأسعار في السوق الموازي لا تزال مرتفعة جداً قياساً بالدخل والظروف القاسية التي يعيشها المواطن المشرد والنازح جراء الحرب. وفي قلب هذا المشهد، نشأت أسواق موازية عشوائية على أطراف المخيمات ومحاور الحركة المتبقية، تقوم على إعادة تسليع المساعدات وتدوير الشُّحّ، ولم تكن هذه الأسواق مجرد نقاط بيع، بل شَكّلت تعديلاً في الفضاء المكاني للخيام؛ حيث تحولت أطراف الممرات والمساحات الفاصلة بين الخيام إلى "بسطات" ومحاور تجارية عشوائية أزاحت الوظيفة السكنية للمخيم لصالح وظيفة تجارية طارئة وفرضت واقعاً مكانيّاً جديداً. وتبلورت داخل هذه الأسواق أدوار واشتقاقات اجتماعية جديدة؛ إذ تراجع نفوذ النخب الاقتصادية والتجارية التقليدية التي فقدت أصولها ورأس مالها النمطي، لصالح فاعلين ميدانيين جدد (باعة البسطات). وقد امتلك هؤلاء الفاعلون الجدد القدرة على الحركة الميدانية، والنفوذ البدني، والتفاوض مع شبكات التوزيع، وتوفير الحماية للبضائع، وتجميع الموارد؛ مما أسهم في إعادة تشكيل الطبقية الاجتماعية وتكريس النفوذ الميداني كأداة أعلى قيمة من رأس المال الثقافي أو الأكاديمي والتجاري التقليدي، وفي ظل غياب أي جهة تضبط السوق، تُدار هذه البيئة عبر جماعات غير منظمة تتلاعب بالأسعار بعشوائية وتتواطأ فيما بينها بشكل غير رسمي لتنسيق الأسعار، وذلك على حساب المواطن الذي لا يجد من يحمي قدرته الشرائية أو يضبط له أسعار السوق. كما انطوى هذا التحول على تغير جذري في الأدوار الاقتصادية داخل الأسرة، أعاد رسم الأدوار الجندرية والهرمية العائلية بشكل بليغ، فمن جهة، برزت المرأة كمديرة لأزمة البقاء في الخطوط الأمامية؛ إذ انتقلت من إدارة المنزل بالمعنى التقليدي إلى ابتكار أدوار إنتاجية وتدبيرية تحت خط الصفر، مثل إعادة تدوير المساعدات الخام وتحويلها إلى وجبات مطبوخة للبيع، وتحضير البدائل التشغيلية للطهي والتنظيف والغسيل، وإدارة النواقص اليومية، وهو ما مَنَحَها دوراً محورياً في حماية الكيان الأسري من التفكك المطلق، ومن جهة أخرى، أدت خسارة المعيلين التقليديين لوظائفهم ومصادر دخلهم المستقرة إلى انخراط أفراد جدد في الدورة الاقتصادية اليومية، وعلى رأسهم الأطفال؛ حيث تحولوا من مستهلكين يطلبون التعليم إلى عناصر إنتاجية عبر البيع المتجول الميداني، أو نقل وتوصيل البضائع، أو جمع البلاستيك والأخشاب للطهي، أو حجز الدور في طوابير المياه والتكية وأمام البنوك أو أي مكان يتطلب انتظاراً طويلاً، لإعادة تدوير تلك الأدوار أو بيعها كأوراق تفاوضية للمضطرين من الناس. وقد أدى هذا الانخراط المبكر والاضطراري إلى توسيع ظاهرة عمالة الأطفال الاضطرارية كاستراتيجية للتكيف الاقتصادي والنفسي ضد الجوع والانهيار الشامل. إن "اقتصاد البقاء" داخل مجتمع الخيام ليس مجرد نشاط هامشي لتدبير المعيشة، بل هو ظاهرة سوسيولوجية تجسد المرونة والاستجابة العملية لمجتمع يُفرض عليه التجويع والتفكيك البنيوي، وعلى الرغم من أنه يوفر الحد الأدنى الاستثنائي للاستمرار الوجودي، إلا أنه يحمل في طياته مخاوف تعميق الاتكالية والتأسيس لبنية اقتصادية مشوهة طويلة الأمد تستنزف رأس المال البشري والمادي المتبقي، وتضغط على رأس المال الاجتماعي والتضامني مهددة بتحويله إلى أنماط تنافسية حادة حول موارد شحيحة. ولمواجهة هذه التشوهات المتراكمة وحماية البنية المجتمعية، تتأكد الحاجة اليوم إلى تدخلات استراتيجية تتجاوز الحلول الإغاثية التقليدية المؤقتة؛ إذ يتعين على الجهات الرسمية والهيئات الحكومية تفعيل آليات رقابية مرنة ولجان حماية مجتمعية لضبط حركة الأسواق الموازية وتحديد سقوف سعرية للسلع الأساسية، إلى جانب حظر العمولات غير المشروعة على المعاملات والتحويلات المالية الإلكترونية. وعلى صعيد المؤسسات الدولية والأممية، تبرز الضرورة الملحة للانتقال من نموذج "الإغاثة السلبية" إلى برامج النقد مقابل العمل وبرامج المساعدات النقدية المتعددة الأغراض، مما يساهم في إحياء القدرة الشرائية للنازحين وتنشيط الدورة الاقتصادية بدلاً من اغراق السوق بمساعدات يتم إعادة تسليعها واستغلالها، وأما المؤسسات الإغاثية والجمعيات الأهلية، فمطالبة بتطوير تدخلات تشغيلية واستجابات موجهة لدعم المشاريع الصغرى والأعمال المنزلية الإنتاجية التي تقودها النساء، مع ضرورة اقتران ذلك ببرامج حماية اجتماعية حازمة للحد من ظاهرة عمالة الأطفال، من خلال تقديم حوافز نقدية للأسر المشروطة بإعادة الأطفال إلى الفضاءات التعليمية والأنشطة الداعمة. إن استعادة التوازن في المخيمات تتطلب تكامل هذه الجهود لصياغة اقتصاد طوارئ منظم يحفظ كرامة المواطن، ويصون رأس المال الاجتماعي، ويضع لبنات أولى لتحصين المجتمع وتماسك بنيته الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من وكالة سوا

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)