لقد خلفت حرب الابادة الجماعية التي تعرض لها قطاع غزة دماراً مروعاً طال البنى التحتية، والمساكن، ومنظومة العدالة برمتها التي أصابها فراغ هائل وانهيار بنيوي. ومع التطلع الجاد لمرحلة إعادة الإعمار، يواجه قطاع العدالة تحديات غير مسبوقة لا يمكن مواجهتها بأدوات تقليدية في ظل تراكم النزاعات العقارية والمالية والأسرية والاجتماعية. هذا الواقع المعقد يفرض تفكيراً تشاركياً هادئاً يعتمد على تضافر الجهود المجتمعية، بحيث تُعد "العائلة" الخلية الأساسية للتعافي، وتليها "العشيرة" كإطار ناظم للنسيج الاجتماعي، وصولاً إلى مسار مجتمعي يخرج بالمجتمع من هذه الحقبة المظلمة التي اتسمت بانهيار سيادة القانون، وتغلب منطق الفوضى وشريعة الغابة، وشيوع الإفلات من العقاب، وضياع حقوق الضعفاء والمهمشين وسط ركام الخراب، ليمهد الطريق بحق نحو عودة الاستقرار.
العشيرة في السياق الفلسطيني: بين الذاكرة والضرورة
تاريخياً، لم تكن العشيرة في فلسطين مجرد بنية اجتماعية تقليدية، بل كانت شبكة أمان ومخزناً للهوية في لحظات ضعف السلطة المركزية واشتداد الأزمات. وفي غزة، وبفعل التمدن والحروب المتتالية، أخذت العشيرة أشكالاً متباينة؛ فهي تارةً حاضنة للنسيج الاجتماعي الحامي، وتارةً أخرى عرضة لتحديات في التعامل مع أفرادها. اليوم، وفي ظل غياب المؤسسات الرسمية وتراجع حضور الدولة، تبرز العشيرة كملجأ مادي واجتماعي لا غنى عنه لتجاوز الصدمة. إن المسؤولية الملقاة على عاتق العشائر اليوم ليست بديلاً نهائياً للقانون، بل هي دور رديف ومؤقت يهدف إلى نزع فتيل التوترات السريعة الناشئة عن ضغوط الحرب والنزوح وفقدان المعيل، شريطة الالتزام بقواعد الإنصاف وجبر الضرر وعدم تجاوز حقوق الفئات الهشة.
العائلة وحشد الطاقات البشرية: الرهان على الشباب
في قلب هذا المشهد، تظل العائلة الممتدة حجر الزاوية في هندسة التعافي الذاتي. ولأن تدمير البنية التحتية والمؤسسات التعليمية فرض واقعاً بالغ الصعوبة، فإن التعويل الحقيقي يكمن في الاستثمار الحيوي للطاقات البشرية المتاحة داخل العائلة، ولا سيما الشباب والكوادر المهنية. إن حصر الكفاءات الشابة المتبقية من مهندسين وحرفيين وفنيين ومتخصصين في مجالات التكنولوجيا والتشييد والزراعة المصغرة، وتوجيه هذه الطاقات للعمل ككتلة واحدة في مبادرات الإعمار المجتمعي المصغرة، يمثل طوق نجاة حقيقي. هذا الاعتماد الذاتي يقلل من ضغط الحاجة، ويحول العائلة من متلقٍ ومستهلك للمساعدات الإغاثية إلى فاعل اقتصادي وتنموي حقيقي يسهم في ترميم بيته الداخلي بجهوده الخاصة وإمكانياته المتاحة.
جذور الشراكة: دور المؤسسة الرسمية والمجتمع المدني في تمكين العشيرة
التعليقات (0)