فقدت الساحة الفنية والثقافية الفلسطينية أحد أبرز أعمدتها برحيل الفنان التشكيلي الكبير سليمان منصور، الذي انتقل إلى جوار ربه تاركاً بصمة خالدة في وجدان الشعب الفلسطيني. وقد ارتبط اسم الراحل بشكل وثيق بلوحته الشهيرة 'جمل المحامل'، التي لم تكن مجرد عمل فني عابر، بل تحولت عبر العقود إلى أيقونة وطنية تختزل حكاية اللجوء والإصرار على البقاء رغم ثقل الهموم.
وفي أحاديث سابقة كشفت عنها مصادر إعلامية، استعرض الفنان الراحل الكواليس العميقة التي صاحبت تطور هذا العمل الفني التاريخي، خاصة عند إعادة صياغته ورسمه في نسخة عام 2005. وأوضح منصور أنه حرص على إدخال تعديلات جوهرية استجابةً لرؤى نقاد وكتاب، سعياً منه لتطوير الرمزية البصرية للوحة بما يتلاءم مع نضوج التجربة الفنية والسياسية الفلسطينية.
شملت التعديلات الفنية التي أدخلها منصور تبسيطاً بصرياً لشكل الحبل الذي يرفعه 'العتال' فوق ظهره، في إشارة إلى محاولة تخفيف وطأة الحمل رمزياً مع الحفاظ على قوته. كما ركز الفنان في نسخته المتأخرة على الدقة المعمارية لمعالم مدينة القدس المحتلة، حيث أعاد رسم تفاصيلها بهندسة تعكس الواقع المتغير والهموم المتزايدة التي يحملها الإنسان الفلسطيني فوق كاهله.
وأكد الراحل في شهاداته أنه لم يكن يتوقع عند رسم اللوحة في بداياتها أن تحقق هذا الانتشار الدولي الواسع، أو أن تصبح رمزاً جامعاً يزين بيوت الفلسطينيين في الشتات والداخل. فقد تجاوزت 'جمل المحامل' حدود الإطار الزيتي لتصبح وثيقة بصرية تشرح معاناة الغربة وشقاء الهجرة القسرية، وصمود شعب يرفض الانكسار أمام التحديات الوجودية التي تواجهه.
يُذكر أن مسيرة سليمان منصور الفنية كانت حافلة بالعطاء، حيث كرس ريشته لخدمة القضية الفلسطينية وتسليط الضوء على الهوية الوطنية في مواجهة محاولات الطمس. وبوفاته، تخسر فلسطين فناناً استثنائياً نجح في تحويل الألم الإنساني إلى لغة بصرية عالمية يفهمها الجميع، مخلداً اسم القدس في ذاكرة الفن التشكيلي العالمي عبر أعماله التي ستبقى منارة للأجيال القادمة.
التعليقات (0)