من المبكر للغاية الافتراض بأن لقاءات القاهرة ستُشكّل اختراقًا حقيقيًا في حالة الانقسام الفتحاوي الداخلي، فعلى الرغم من أنها تمثل اللقاءات العلنية الأولى على مستوى اللجنة المركزية لحركة فتح وقيادة تيار الإصلاح الديمقراطي، وبمشاركة قيادات من الصف الأول في الجانبين، فإن الطريق نحو استعادة الوحدة التنظيمية لا يزال طويلًا، وتحيط به ملفات سياسية وتنظيمية وشخصية متراكمة على امتداد عقدين.
ومع ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية اللغة الجديدة التي استخدمها نائب رئيس حركة فتح حسين الشيخ خلال لقاءه بالإعلاميين، عندما وصف الخلاف مع التيار بأنه" خلاف داخل البيت الفتحاوي" . فالعبارة، تمثل تحولًا عن الخطاب الذي ساد خلال السنوات الماضية، وتراوح بين التشدد الكامل، ووصف رئيس التيار وقياداته ونشطائه بالمنشقين، وفصل عدد كبير منهم من الحركة والوظيفة العامة، وصولًا إلى تبادل الاتهامات وحملات التشهير عبر وسائل الإعلام.
صحيح أن الخطاب الفتحاوي شهد في بعض المراحل قدرًا من الليونة، بفعل جهود بذلتها عواصم عربية، وفي مقدمتها القاهرة، التي تُسجَّل لها مساعيها الحثيثة واهتمامها بوحدة حركة فتح، إلا أن الطرح السابق ظل قائمًا على اشتراط العودة الفردية إلى الحركة، من خلال تقديم طلبات منفصلة، وهو ما رفضه معظم قادة التيار ونشطائه.
وقد بدا تعثر هذا المسار جليًا خلال التحضيرات للمؤتمر العام الثامن لحركة فتح، الذي كان يمكن أن يشكل فرصة حقيقية لتصليب وحدة الحركة ولملمة أوضاعها الداخلية، لكنه لم ينجح في معالجة ملف التيار، رغم الجهود المصرية الحثيثة في هذا الشأن.
من الواضح أن الأسباب التي دفعت باتجاه الحوار الحالي هي أسباب موضوعية أكثر منها ذاتية. فعلى الصعيد الذاتي، وعلى الرغم من عقد حركة فتح مؤتمرها العام الثامن، لا تزال الحركة تواجه تحديات داخلية عميقة تبدأ من خليتها الأولى المتمثلة في اللجنة المركزية، وتمتد إلى غياب الرؤية السياسية والبرامج والسياسات الواضحة عن جزء مهم من أجندة المؤتمر.
لذلك، يبدو النظر إلى الحوار بين الحركة والتيار بوصفه نتيجة مراجعة ذاتية شاملة لواقع فتح تحليلًا بعيدًا عن القراءة الدقيقة لمجريات الأمور، إذ لم تصدر مؤشرات واضحة على وجود مثل هذه المراجعة، سواء قبل المؤتمر أو خلاله أو بعده، مع أن المؤتمر مثّل لحظة مناسبة لمعالجة الانقسام الداخلي وإعادة بناء الحركة على أسس سياسية وتنظيمية جديدة.
التعليقات (0)