وجّه أكثر من مئة دبلوماسي بريطاني وفرنسي سابق رسالة مشتركة إلى حكومتي بلديهما، يدعونهما فيها إلى اتخاذ إجراءات عملية أكثر جدية في مواجهة السياسات الاستيطانية الإسرائيلية الأخيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعدم الاكتفاء بالمواقف السياسية والدبلوماسية. وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة لصدورها بعد نحو عام على اعتراف كل من بريطانيا وفرنسا بدولة فلسطين، الأمر الذي يعيد طرح السؤال حول القيمة القانونية لهذا الاعتراف والآثار التي يفترض أن تترتب عليه.
فالاعتراف بالدولة يعد من المسائل الأساسية في القانون الدولي، ويقصد به إقرار دولة قائمة بوجود كيان آخر بوصفه دولة لها كيانها الخاص وتتمتع بالشخصية القانونية الدولية. فالاعتراف بهذا المعنى لا يقتصر على مجرد التعبير عن موقف سياسي أو دبلوماسي، وإنما يمتد إلى قبول الدولة المعترِفة بالتعامل مع الكيان المعترَف به باعتباره شخصا من أشخاص القانون الدولي.
وقد ثار خلاف فقهي حول أثر الاعتراف في الوجود القانوني للدولة، حيث ذهب اتجاه إلى تبني النظرية المنشئة التي تربط الشخصية الدولية للدولة باعتراف الدول الأخرى بها، في حين تبنى اتجاه آخر النظرية الكاشفة التي تعتبر أن الدولة توجد متى توافرت عناصرها الأساسية من شعب وإقليم وسلطة سياسية، وأن الاعتراف الدولي بها لا ينشئها وإنما يقر بوجودها على الصعيد الدولي. وقد اتجه الرأي الغالب إلى تبني الطبيعة الكاشفة للاعتراف، بحيث لا يكون وجود الدولة رهنا بإرادة الدول الأُخرى.
وتكمن أهمية الاعتراف الدولي في الآثار التي تترتب على قبول المركز القانوني للدولة، والتي تتمثل بالإقرار بأهليتها للدخول في العلاقات الدولية وإبرام المعاهدات والاتفاقيات، وإقامة العلاقات الدبلوماسية، والمطالبة باحترام إقليمها واستقلالها، وممارسة الحقوق التي يقررها القانون الدولي للدول.
وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب هذه الآثار أهمية خاصة؛ فالاعتراف بدولة فلسطين لا يعني فقط تأييد حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته مستقبلا، وإنما ينطوي على إقرار من الدولة المعترِفة بوجود دولة فلسطين وتمتعها بالشخصية القانونية الدولية. وهنا يكمن الفارق بين دعم "حل الدولتين" بوصفه خياراً سياسياً، وبين الاعتراف بفلسطين بوصفها دولة؛ فالأول يتعلق بتسوية سياسية مستقبلية، بينما الثاني يتعلق بمركز قانوني قائم تقر به الدولة المعترِفة.
وانطلاقاً من هذه الآثار القانونية، يبرز قرار مجلس الأمن رقم (2334) الصادر عام 2016، الذي أكد عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، ودعا جميع الدول إلى التمييز في تعاملاتها ذات الصلة بين إقليم دولة إسرائيل والأراضي المحتلة منذ عام 1967. ويكتسب هذا التمييز دلالة إضافية بالنسبة للدول التي اعترفت بفلسطين، كونه يترجم اختلاف المركز القانوني بين الإقليمين إلى ممارسات فعلية.
التعليقات (0)