لم يعد الاستيطان الإسرائيلي مجرد مشروع للتوسع على حساب الأرض الفلسطينية، بل أصبح منظومة متكاملة تستهدف الأرض والإنسان والمدينة والقرية، وتعمل على إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي والقانوني في الضفة الغربية. ولذلك، فإن مواجهة الاستيطان لا يمكن أن تبقى محصورة في البيانات السياسية أو ردود الفعل على كل اعتداء جديد، بل تحتاج إلى استراتيجية قانونية ومؤسسية طويلة النفس.
وهنا تحديداً يصبح القانون أحد أهم أدوات المواجهة. فالاحتلال يدرك جيداً قيمة القانون، ولذلك يستخدم المنظومات القانونية والعسكرية والتخطيطية لتثبيت وقائع جديدة على الأرض. ونحن، في المقابل، بحاجة إلى تطوير أدواتنا القانونية والمؤسساتية لحماية الأرض الفلسطينية، وتوثيق الاعتداءات عليها، ومواجهة الإجراءات التي تستهدف مصادرتها أو تغيير طابعها أو عزلها عن محيطها.
إن المعركة على الأرض هي في جوهرها معركة على الحق، والحق يحتاج إلى من يحميه ويوثقه ويطالب به ويضعه في إطاره القانوني الصحيح.
وفي هذا السياق، تتحمل الهيئات المحلية مسؤولية كبيرة. فالبلدية ليست فقط مؤسسة تقدم الخدمات اليومية للمواطنين، وإنما هي أيضاً جزء أساسي من منظومة حماية المدينة والحفاظ على هويتها العمرانية والجغرافية. فالمخطط الهيكلي، والمخططات التفصيلية، وتنظيم استعمالات الأراضي، وحماية الأملاك العامة، وتوثيق الاعتداءات، كلها أدوات يمكن أن يكون لها أثر مباشر في حماية الأرض ومنع تحويلها إلى فراغ تستغله سلطات الاحتلال لتكريس وقائع جديدة.
ومن هنا، فإن مواجهة الاستيطان تحتاج إلى أن ننظر إلى التخطيط العمراني باعتباره أحد أشكال الصمود الوطني.
عندما نحافظ على الأرض، وننظمها، ونوثق ملكيتها، ونمنع الاعتداء عليها، ونطور مدننا وقرانا، ونحافظ على اتصالها الجغرافي، فإننا لا نقوم فقط بواجب بلدي أو تنظيمي؛ بل نمارس فعلاً وطنياً وقانونياً في حماية الوجود الفلسطيني.
التعليقات (0)