f 𝕏 W
من صابر الشهيد إلى أكرم الوليد.. رسالة أمل وحياة

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 0 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

من صابر الشهيد إلى أكرم الوليد.. رسالة أمل وحياة

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
تتناول المقالة قصة عائلة براش الفلسطينية، التي عانت من الأسر والإبعاد والشهادة، لكنها تجسد إرادة الحياة والأمل من خلال ولادة الطفل أكرم بعد سنوات طويلة من أسر والده الأسير المحرر حمادة براش. تسلط القصة الضوء على صمود الأسرى الفلسطينيين رغم قسوة الاحتلال، ورغبتهم في بناء حياة جديدة رغم التحديات.
أبرز النقاط

الإثنين 24 أغسطس 2026 10:25 صباحًا - بتوقيت القدس

أكرم حمادة براش ليس طفلاً عادياً، إنه رسالة أمل وحياة وسط كل ما يحيط بنا من ألم وإرهاق وموت. جاء بعد انتظار طويل، شاهداً على أن الاحتلال مهما صادر من أعمار، لا يستطيع أن يصادر حق الإنسان في أن يصنع الحياة ويبدأ من جديد.وُلد أكرم بعد تحرر والده، الأسير المحرر حمادة براش، الذي كان يقضي حكماً بالسجن مدى الحياة قبل أن يُحرر ويتزوج الأسيرة المحررة صمود كراجة.أمضى حمادة ستة وعشرين عاماً في اعتقالين، وفقد بصره وبُترت قدمه إثر إصابته برصاص قوات الاحتلال، لكنه لم يفقد قدرته على الصمود أو رغبته في الحياة.ولفترة طويلة، أخفى عن والدته أنه لم يعد يراها، حيث كانت تزوره فيستقبل صوتها ويحفظ تفاصيل حضورها، محاولا ألّا تشعر بأن عينيه لم تعودا قادرتين على رؤيتها، مخفيا عنها وجعه حتى لا يضيف إلى سنوات انتظارها ألماً جديداً.وفي داخل السجن، بنى حمادة فلسفته الخاصة في مواجهة الألم، فمنع نفسه حتى من أن يقول (آخ) معبرا عن كل ما فيه من ألم، حيث كان يرى أن واجبه أن يخفي ألمه ليقوّي رفاقه، وأنه مطالب أن يتماسك في أقسى لحظاته كي لا يضعف من حوله، ففي السجن لا يعود الصبر خياراً فرديا، بل يصبح مسؤولية يحملها الأسير عن نفسه وعن الآخرين.كان صموده رغم آلامه الظاهرة، مصدر قوة لمن حوله، فإذا كان حمادة بما يحمله من جراح، قادرا على الصبر، فقد كان رفاقه يرون أنفسهم أجدر بأن يبادلوه الصبر والجلَد.وتحدث حمادة عن قريبه ورفيق دربه الشهيد الأسير ناصر أبو حميد، الذي ارتقى نتيجة الإهمال الطبي المتعمد، وما يزال الاحتلال يحتجز جثمانه حتى اليوم، في سياسة لا يتوقف فيها العقاب عند حدود الحياة، بل يمتد إلى ما بعد الموت، مستنزفا العائلات ومضاعفا آلامها.واستعاد كلمات ناصر الأخيرة عن ضرورة الصمود، وعن ذهابه إلى رفاق الدرب الشهداء حيث حياة أكثر عدلا من عالم حرمه العلاج والحرية، ثم حرمه حتى حقه في قبر تحتضنه أرضه.أما شقيقه رمزي، فقد أمضى معه أكثر من اثنين وعشرين عاما داخل السجون، عاش الشقيقان معاً خلف القضبان ثم تحررا من دون أن تتمكن العائلة من الاجتماع بهما ولو مرة واحدة، إذ أُبعد رمزي إلى مصر، فتحولت الحرية التي انتظرتها الأسرة طويلا إلى حرية منقوصة، وظلت المسافات امتداد آخر لجدران السجن.فالسجن للفلسطيني لم يعد منحصراً في بقعة جغرافية أو محاطًا بجدران وأسلاك، بل غدا حاضرا في كل مكان يوجد فيه فلسطيني تحاصره الحواجز أو الإبعاد أو الظروف التي تحول بينه وبين وطنه وعائلته.تزوج رمزي في مصر وبدأ حياته من جديد، لكنه تحدث بمرارة عن قسوة الإبعاد، وبرغم ما وجده المبعدون من احتضان في مصر، تبقى الغربة القسرية شكلا آخر من أشكال العقاب؛ فلا هم قادرون على العيش بين أسرهم، ولا هم واثقون حتى من حقهم في أن يدفنوا يوما في أرضهم.ولم تكن قصة الأسيرين المبعدين معتصم رداد ورياض العمور، اللذين دفنا في مصر، إلا استحضارا لمصير يخشاه كل أسير مبعد؛ أن يكتب عليه أن يعيش أسيرا، ثم يُوارى الثرى مبعدا وبعيداً.ولعائلة براش شقيق ثالث هو الشهيد صابر الذي ارتقى في الرابعة عشرة من عمره، قبل اعتقال حمادة ورمزي بعامين، وكأن هذه العائلة كُتب عليها أن توزع أبناءها بين الشهادة والسجن والإبعاد، وأن تحمل وجوها متعددة من الفقد، من دون أن تتخلى عن حقها في الحياة.ومن أقسى المشاهد التي بقيت في ذاكرة رمزي، تلك اللحظات التي أعاد فيها الاحتلال أسرى كانت أسماؤهم قد أُدرجت ضمن دفعة التبادل الأخيرة، أسرى وضعوا قدما على عتبة الحرية، ثم أُعيدوا فجأة إلى الزنازين، وبعضهم محكوم بالسجن المؤبد.لا يستطيع رمزي أن ينسى نظراتهم حين استبدل السجّان "البجامة السكنية"، التي ارتدوها استعدادا للتحرر، بلباس "الشاباص"، معلنا إعادتهم إلى السجن لاستكمال أحكامهم المؤبدة، كانت لحظة لا تستطيع الكلمات وصفها، ولا يكاد القلب يحتمل مجرد تخيلها؛ أن يلامس الأسير الحرية، ثم يُنتزع منها ويُعاد إلى العتمة من جديد.صمود وفاطمة، زوجتا الشقيقين حمادة ورمزي، تدركان أن الارتباط بمن دفعوا حريتهم ثمنا لحرية شعبهم ليس حياة عائلية عادية، بل امتداد لطريق طويل من التضحية. وتؤكدان أن الأسرى والمحررين والمبعدين يستحقون الإنصاف والوفاء، وأن من ضحّوا بأعمارهم من أجل شعبهم لا يجوز أن يُتركوا وحدهم بعد الضريبة الباهظة التي دفعوها وأسرهم.وخلال زيارتي للعائلة ضمن البرنامج الذي أقوم بإعداه وتقديمه "عمالقة الصبر"، حاولنا أن نهزم الإبعاد ولو مؤقتاً، فجمعنا العائلة عبر الشاشة مع رمزي المبعد إلى مصر. كان لقاء بين وجوه فرقتها الجغرافيا، من دون أن تتمكن من تفريقها في الوجدان.غير أن الشاشة مهما قرّبت المسافات، لا تعوّض حضنا مؤجلا منذ سنوات، ولا تصنع صورة عائلية كاملة حرمهم الاحتلال منها.وعلى بُعد أمتار من ذلك اللقاء كان مخيم الأمعري، كغيره من مخيمات فلسطين ومدنها وقراها، يعيش تحت وطأة الاقتحام والاستباحة. وكأن الاحتلال يكرر رسالته الإجرامية بأن كل شبر من هذه الأرض مستباح فيما تؤكد عائلة براش باسم كل عائلات الوطن، وبصبرها وتمسكها بالأمل أن كل شبر من هذه الأرض مطالب بالصمود.بين صابر الذي ارتقى شهيدا في الرابعة عشرة، وأكرم الذي وُلد بعد ستة وعشرين عاما من الأسر، تمتد حكاية عائلة من عائلات هذا الوطن، جعلت من التمسك بالحياة معركة صمود وتحدٍّ وأمل؛ مثبتة أن الحياة على هذه الارض ليست مجرد حق، بل إرادة وإصرار وعزيمة وثبات يومي على كل ما أراد الاحتلال انتزاعه منها.ولا يزال الأسرى ولا سيما أصحاب المؤبدات، يعيشون ظروفا قاسية في ظل انقطاع الزيارات والعزلة والتنكيل، ونحن نروي حكاياتهم لا لأننا نسيناهم ثم تذكرناهم، بل لأن التذكير مسؤولية، ولأن أخطر ما قد يحدث للأسير، بعد أن يغلق السجّان باب الزنزانة عليه، أن يغلق شعبه باب الذاكرة من خلفه.في عائلة براش لم يكن التمسك بالحياة خياراً، بل معركة خاضها أفرادها في مواجهة الشهادة والأسر والإصابة والإبعاد كغيرهم من العائلات الصامدة والمرابطة في كل بقعة من أرض فلسطين. فمن صابر الذي ارتقى في الرابعة عشرة إلى أكرم الذي جاء بعد ستة وعشرين عاما من الأسر، تمتد حكاية وطن لم يسمح بكل ما فرض عليه من حرمان أن ينتزع منه قدرته على الأمل.نعم، أكرم ليس مجرد طفل لأسير محرر إنه ردّ العائلة على سنوات القهر وبصر أب فقد عينيه ولم يفقد بصيرته، وخطوات رجل بترت قدمه وبقي واقفا، جاء مؤكدا أن الاحتلال قد يصادر العمر ويشتت العائلات ويحتجز الجسد خلف القضبان لكنه يعجز عن هزيمة شعب ما يزال قادرا، من قلب كل هذا الموت على أن ينجب الحياة.ومن صابر الشهيد إلى أكرم الوليد تبقى الرسالة واحدة، صحيح أن الجراح قد أثقلت شعبنا، لكن علينا أن لا نورّث أبناءنا الهزيمة، بل علينا استعادة القيم لنورّثهم على الأقل حقهم في الحياة بكرامة.

من صابر الشهيد إلى أكرم الوليد.. رسالة أمل وحياة

د. سماح جبر - استشارية الطب النفسي

د. عماد علي السعدي: دكتوراة في الاقتصاد والتمويل الإسلامي

حازم عبد العزيز النتشة: مدير عام كهرباء الخليل

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)