حين تصعد الدرجات الحجرية المؤدية إلى "حي الطفايلة" شرقي العاصمة الأردنية عمّان، لا يبدو المكان مجرد حيّ شعبي قديم يجاور وسط المدينة، بل ذاكرة مفتوحة تحكي قصة الهجرة الأولى من الجنوب إلى العاصمة. تحمل أزقته حكايات آلاف العائلات التي جاءت بحثاً عن لقمة العيش، قبل أن يتحول مع مرور الزمن إلى أحد أكثر أحياء الأردن حضوراً وفاعلية في المشهدين الاجتماعي والسياسي.
في هذا الحي، لا تُروى الحكايات من بطون الكتب، بل من أفواه كبار السن الذين ما زالوا يتذكرون كيف حمل الآباء متاعهم البسيط وغادروا قرية "عيمة" في محافظة الطفيلة (جنوبي الأردن) أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، ثم استقروا على سفوح "جبل التاج" حيث بدأت أولى البيوت المتواضعة تتشكل، قبل أن يكبر المكان ويصبح أيقونة عمرانية وبشرية في العاصمة.
يقول الناشط الاجتماعي خضر السعود للجزيرة إن الحي لم ينشأ صدفة، بل جاء نتيجة هجرة منظمة لأبناء القرية الذين دفعتهم قسوة الظروف للبحث عن فرص العمل والتعليم والانخراط في مؤسسات الدولة الناشئة آنذاك.
لم يشعر القادمون الأوائل بالغربة؛ فطبيعة المنطقة الجبلية ذكّرتهم بجبال الطفيلة، وقربها من المركز والأسواق سهّل عليهم شق طريقهم في الحياة الجديدة. ومع توالي العقود، لم يعد اسم "حي الطفايلة" مجرد توصيف جغرافي، بل أصبح امتداداً اجتماعياً لمحافظة كاملة، حتى بات يُوصف بـ"سفارة الطفيلة" في عمّان.
تشير التقديرات غير الرسمية إلى أن أكثر من خمسين ألف مواطن من أصول طفيلية يقيمون اليوم في العاصمة، يتركز ثقلهم الأكبر داخل الحي. ولم يكن هذا التجمع مجرد تراكم سكاني، بل نشأت بنية اجتماعية متماسكة استندت إلى الروابط العشائرية وثقافة التكافل.
ويرى السعود أن هذه البيئة أنتجت مجتمعاً يرى في "العمل التطوعي والانتماء" ركائز يومية لا شعارات، وهو ما انعكس على طبيعة المبادرات التي خرجت من الحي لاحقاً.
التعليقات (0)