"كوب من الحليب الدافئ، لحاف ثقيل، قطعة من الكعك المنزلي، وحكايات شعبية وقصص من الماضي" ذلك هو الأثر الباقي من اللحظات القليلة التي أتذكرها مع جدتي، قبل أكثر من 35 عامًا. كانت لحظات وجودها في منزلنا القديم الأكثر دفئًا وحميمية. وربما لم تكن جدتي "لطيفة" -وهذا اسمها- تعرف قراءة الكتب، ولم تكن تحفظ من الأغنيات إلا ما حمل لهجتها الصعيدية، لكنها، رغم ذلك، منحتني خلال وجودها القصير في حياتي ما لا يمكن محوه من ذاكرتي.
وحين عاشت أمي في بيتي فترة من الزمن، رأيت الأثر نفسه يتكرر، لكن هذه المرة في حياة أبنائي. ورأيت، في المقابل، كيف انعكس وجود عائلتي الصغيرة على أمي، فتراجع لديها اكتئاب الوحدة والعزلة اللذان عانت منهما في منزلها.
يحمل كثيرون ذكريات مشابهة مع أجدادهم، لكن أهمية هذه الذكريات قد تتجاوز المحبة والتواصل الأسري. وتشير دراسات إلى أن العلاقة الوثيقة بين الأجداد والأحفاد قد ترتبط بصحة نفسية ومعرفية أفضل لدى كبار السن، وبمستويات أعلى من الأمان العاطفي والمرونة النفسية لدى الصغار.
ولا يعني ذلك أن الأحفاد "علاج" للخرف أو أن وجودهم يمنع الإصابة به، فالأدلة العلمية لا تسمح بهذا الاستنتاج. لكنها تشير إلى أن التواصل الاجتماعي، وانخفاض الشعور بالوحدة، والمشاركة المعتدلة في رعاية الأحفاد قد تكون عوامل داعمة للصحة النفسية والمعرفية في مراحل العمر المتقدمة.
في دراسة أجراها باحثون أميركيون من جامعة إيموري بولاية جورجيا، فحص الباحثون نشاط أدمغة 50 جدة بيولوجية باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، أثناء مشاهدتهن صور أحفادهن الذين تراوحت أعمارهم بين 3 و12 عامًا، وصور أطفال آخرين لا يعرفنهم، إلى جانب صور أبنائهن البالغين وبالغين غرباء.
وعند مشاهدة صور الأحفاد، ظهر نشاط أقوى في مناطق بالدماغ مرتبطة بالتعاطف العاطفي ومعالجة المشاعر والحركة. ويرى الباحثون أن ذلك قد يعكس ما يُسمى "المحاكاة العصبية" أي ميل الجدة إلى مشاركة الحفيد حالته الشعورية، فإذا بدا سعيدا شعرت بسعادته، وإذا بدا متحمسًا انعكس حماسه عليها.
التعليقات (0)